احمد الصالح

في ظلِّ التجاذبات التي تشهدها المنطقة كدخول الدبِّ الروسي كقوة مؤثرة وفاعلة على الأرض.. ولجوء أطراف النزاع المذهبي والآيدلوجي سواء كانت المتقاتلة وجهاً لوجه أو تلك التي تقاتل بأذرعها الموزعة هنا وهناك.. هذا الى جانب ما آلت اليه الأوضاع في أوربا من حالة استنفار قصوى فرضتها تفجيرات باريس وتهديدات داعش بتوسيع محيط عملياتها.. كل هذه الأمور مجتمعة فرضت واقعاً جديداً.. ربما كان مدروساً تقف خلفه أجهزة استخبارات ضالعة في صناعة أحداث العالم الكبرى.. وربما كان أيضاً -وهذا محض افتراض- ساذجاً يتبناه البعض ويدافع عنه وخصوصاً اولئك المبتلين بداء الصراعات التاريخية الضيقة.. والذين ينظرون الى الأمور بمساحة لا تتعدى أرنبة أنوفهم.. أقول ربما كان أيضاً واقعاً عفوياً صنعته المصادفات وتراكمات الأمية والجهل والفقر والأنظمة المستبدة..
الواقع الجديد الذي يهدد المنطقة ينذر بمرحلة معقدة للغاية.. أبرز سماتها الحروب الجانبية التي ترعاها القوى العظمى والجيوش الكبيرة.. وهي السمة التي نبه اليها بعضٌ من كبار المحللين السياسيين والعسكريين في العالم.. لتشكل نهاية مرحلة عقود طويلة من التكوينات الجغرافية التي سميت -احتيالاً أو اعتباطاً- دولاً كبرى وصغرى.. ليصار الى إعادة ترسيم المنطقة بحدود جغرافية جديدة.. قوامها هذه المرة الانتماءات والهويات الثانوية التي تصنع بالنتيجة توازناً في الرعب وتوازناً في الحاجة الى الآخر القادم من وراء البحار لحمايتها والخفاظ على بقائها ووجودها..
ما نريد أن نخلُصَ إليه مما تقدم أن تنامي عدد التحالفات التي تكونت مؤخراً في المنطقة وتفاوت قدراتها وتنوع أساليبها واستعراض قدراتها العسكرية البرية والبحرية والجوية والنووية.. يوحي بأن تحولاً جذرياً بات يلوح في الأفق أما على مستوى إعادة ترسيم حدود دول الشرق الأوسط امتثالاً لشعار وزيرة الخارجية الامريكة السابقة كوندليزا رايس.. وهذا كله بات مفهوماً في ظروفنا الحالية بل ومقبولاً لدى أطراف كثيرة.. لكن الخشية لدينا تكمن تحديداً في أن تلك الخرائط الجديدة المزمع رسمها سوف لن تكون بمراسلات ووعود وتحالفات واجتماعات بروتوكولية.. كما حدث مطلع القرن الماضي.. وانما يمكن ان تصطبغ هذه المرة مهمة تقسيم الدول في منطقة الشرق الاوسط عموماً وفي محيطنا العربي تحديداً باللون الأحمر.. ولم يمض طويلاً على تلك التصريحات الصريحة التي وردت على لسان ساسة كبار في المنطقة بشأن ما وصف في حينها بأن الدماء هي التي ترسم حدود الدول في المستقبل..
السؤال الأكثر إلحاحاً ومساساً بواقعنا العراقي هنا.. هل ثمة طريق يمكن أن ينأى بنا بعيداً عن هذه المعادلة؟.. أم اننا نقع في صميمها إن لم نكن قد شكلنا الشرارة الحقيقة لانطلاقتها؟..
وهل يمكن لحدث خطير ومهول مثل تفجيرات باريس أن تمهد لمرحلة مشابهة لتلك التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر.. ومثلما انتظرنا طويلاً مرحلة التمهيد لدخول الدبّ الروسي بكل ثقله الى المنطقة؟..علينا أن ننتظر الدور المباشر الذي يمكن أن يلعبه الديك الفرنسي.. هذه المرة لن ننتظر طويلاً.

مقالات ذات صله