بين تقمص المهن وانتحال صفة الخبير ..  “أبـو الـعـرّيف” كارثة حقيقية تلتهم مقربيه

بغداد_ متابعة

في الساعة التاسعة مساء، وعلى غير العادة بدأ النعاس يتسلل شيئا فشيئا إلى منذر حميد وهو شاب يعمل في شركة أهلية، ويمارس الرياضة يوميا في إحدى قاعات الرشاقة، وحين بدأ وعيه يعجز عن ملاحقة الصور، واستيعاب الأحداث، أغلق حاسبته على وجه السرعة، ونهض متثاقلا وألقى بنفسه على سرير النوم، وقبل ان يتساءل عن السبب الذي جعله يشعر بالنعاس مبكرا، راح يغط في نوم عميق استمر حتى صباح اليوم التالي.

كان حميد، قد علل ما حدث بتعب جسده الذي تراكم عبر عدة اسابيع كان فيها بعيدا عن الراحة، لكنه تذكر فجأة انه تناول كبسولة من صديق قال له انها مفيدة لتسكين ألم خاصرته اليمنى الـذي يعاني منـه بين الحين والآخـر.

لم يشأ حميد ان يعرض حالته على طبيب مختص متذرعا بضيق الوقت، وكان يتجاوز الألم الذي يعاني منه بالأدوية المسكنة غير مبال باعراضها الجانبية.

ويضيف حميد الذي روى لنا هذه الحكاية: “لقد تعلمت درسا لا ينسى ولن أصدق بـ ” أبو العرّيف” بعد اليوم”.

و” ابو العريف” كناية شعبية تطلق على من يدعي العلم بشيء يجهله، أو يتدخل لحل مشاكل ليست من اختصاصه وليست لديه فيها أية خبرة غير مبال بحجم الأضرار التي قد يسببها تدخله هذا.

وتقول بعض الدراسات المنشورة على شبكة الانترنت عن ” ابو العريف” ان لديه قناعة تامة بتفوقه العقلي على الآخرين، وان آراءه مقدسة ولا تقبل النقاش، ويتسرع في ابداء النصح والمشورة حتى ولو لم يطلب منه ذلك، ويتميز بالتفاخر والغرور ويتحدث كثيرا عن نفسه، ولديه قدرة مميزة في الاقناع، ويعد نفسه قائدا عليه ألا يتبع الآخرين.

ويرى الطبيب الاستشاري كمال محمد “ان اخطر ما في هذه الظاهرة هو عدم امكانية محاسبة الشخص الذي اعطى نصيحة عشوائية لشخص اخر، وفي كل عام تنشر الجهات المختصة بعض الاحصائيات عن مثل هذه الحوادث على الرغم من تقديم الارشادات للمواطنين بألا يقدمون على مثل هذا التصرف بحياتهم , اذ ان الخلط في تناول اكثر من دواء دون استشارة الطبيب لعلاج حالة مرضية قد يؤدي إلى مشكلات صحية وأعراض جانبية بعضها خطير جدا”.

ويروي علي صباح وهو موظف في الأربعينيات من عمره: “قبل عدة أسابيع تناولت طعاما، فتدهورت حالتي الصحية وظهرت علي أعراض التسمم، وبدلا من ان أتوجه إلى الطبيب، وافقت على نصيحة أحد اصدقائي، فتناولت أدوية وصفها لي، فازدادت حالتي سوءا، واضطررت للذهاب إلى المستشفى وانا في حالة يرثى لها، وهناك تلقيت العلاج اللازم الذي أعادني لحالتي الطبيعية”.

ويضيف صباح: “لقد كان هذا درسا لن انساه طوال حياتي وأنصح الجميع بعدم تناول أية أدوية وفق رأي هذا وذاك، فبعضهم يعتقد ان ما ينفعه أو نفعه ذات مرة قد ينفع غيره، وهذا اعتقاد غير صحيح، وقد يعتقد بعض الناس ان حبة «البندول» علاج مناسب لجميع الأمراض إلا انهم مخطئون”.

ولسعدي عبد الله قصة مختلفة مع ” ابو العريف” كلفته الكثير من الوقت والجهد والمال، فقد أراد، وتحت ضغط من زوجته، بناء غرفة اضافية في منزله الذي اشتراه قبل مدة قصيرة، ويكمل عبد الله قصته موضحا “كان خطئي هو عدم اللجوء إلى أهل الخبرة والاختصاص، فقد استشرت صديقا لي بشأن هذا الأمر، وسرعان ما أخرج قلمه من جيبه، وطلب ورقة بيضاء، وبدأ بحساب التكاليف وفق أسوأ الاحتمالات كما زعم. كان المبلغ الذي توصل إليه مشجعا ودفعني للبدء بالمشروع الذي كنت مترددا بالانغماس فيه نتيجة قلة ما أملكه من نقود”.

ويضيف عبد الله بحسرة “بعد ثلاثة أيام بدأ الشك يراودني بشأن حسابات صديقي، ثم تحول الشك إلى يقين عندما نفدت كل نقودي من دون ان تكتمل تلك الغرفة اللعينة، فاضطررت للاستدانة من أقاربي في سبيل اكمالها، بعد ان باتت عبئا ومنغصا لحالتي النفسية، وكل هذا نتيجة اتباعي نصيحة صديق ادعى الخبرة في مجال يجهله وليست لديه خبرة فيه”.

وراح احمد فرحان ضحية لـ “ابو عريف” آخر، عندما صدق بنصيحة صديق له ادعى ان لديه خبرة في ربط اسلاك ” ماطور” مبردة الهواء، لكن العملية انتهت بكارثة.

ويقول فرحان وعلى وجهه تلوح علامات الندم: “اشتريت “ماطورا” جديدا لمبردة الهواء، وكانت عملية ربط اسلاكه معقدة، وادعى احد الجيران خبرته في هذا المجال، فوافقت على قيامه بالمهمة، وما ان ربطنا المبردة بالكهرباء حتى تحولت ملفات ” الماطور” إلى فحم وتصاعد منها الدخان الكثيف، وانقطعت الكهرباء عن المنزل، وهذا ما اضطرني لشراء “ماطور جديد””.

ويضيف فرحان “كاد الأمر ان يتحول إلى كارثة لولا رحمة الله تعالى”. تعود هذه التسمية إلى حكاية من حكايات التراث العربي تقول، ان ملكا ادعى بمعرفته كل شيء عن أي شيء، وذات يوم حشر ثور رأسه في زير فخاري يستعمل لحفظ الماء، ولجأ صاحب المشكلة إلى الملك، فأمر الملك بذبح الثور، لكن رأسه بقي محشورا في الزير، فعاد الملك وأمر بكسر الزير، وبذلك راح الثور والزير معا.

ويقول اسامة عادل (طالب 21 عاما): “بات الكثير من الناس يحشرون أنوفهم في ما لا يعنيهم ولا يهمهم ولا يخصهم، فتراهم يتدخلون في مواضيع لم يدرسوها، إذ تحتاج الآراء لتكون ناضجة إلى المراجعة والتنقيح والتريث قبل اطلاقها إلى حيز الوجود, لكن تقمص المهن وانتحال صفة الخبير أصبحا شائعين بين الناس للأسف”.

وينظر محمد ميثاق (28 عاما ),  للموضوع من زاوية مختلفة فيوضح ان الأجداد والاباء والجدات والأمهات في السنوات الماضية كانوا نادرا ما يذهبون الى الأطباء او إلى المختصين في أية مهنة، وكانوا يعتمدون على تداوي بعض امراضهم وحل مشاكلهم على بعضهم البعض من خلال النصح والمشورة، وقد بقيت جذور هذه الظاهرة حية إلى يومنا هذا.

وترى فاطمة محمود (موظفة 32 عاما): “ان انتحال مهن الآخرين كارثة حقيقية، فهي تشوه جمالية الصداقة، وعلى الصديق ألا يدلي برأي أو مشورة ما لم يكن متأكدا من صحتها حتى لا يتسبب بأذى أو ضرر لصديقه، وعلينا كذلك ألا نأخذ كل نصيحة على انها حقيقة مسلم بها، بل يجب دراستها من جميع الوجوه قبل العمل بها”.

وتعلق الباحثة الاجتماعية سحر كاظم  على هذا الامر فتقول: “ان تقمص الناس مهن الاخرين سوف يـؤدي الى كارثة حتـمية تنعكس على حيـاة الشخص متلقـي النصيـحـة العشوائيـة من اشخاص غير متخصصين بالمهنة ، و ان هناك جزءا  كبيرا من الخطأ يقع علـى عاتـق الشخص نفسه الـذي يسمع أي شـيء يقـال لـه، “مشيرة الـى ان  الكثير من الأشخاص الذين يجعلون من أنفـسهم أطباء  للبعض مـا ان يشعـروا بعارض مرضي، بعضهم يشخص المرض وآخرون يصفون العلاج، وصنف ثالـث يتـبرعـون بإعطاء المريض دواء مـن عنـدهـم استخدمـوه لألم ألمّ بهم، متناسين أن لكل حالة مرضية خصوصيتـها وان التشخيص مـن قبل الطبيب ضروري إلى جانب ضرورة إجراء فحوصات وتحاليل مختبرية، لكن الثقافة الشعبية فـي تشخيص المرض وتقديم العلاج لا تزال مسيطرة على عقلية بعض الأفراد فـي المجتمع وهـذا أمر خاطئ ويجـب أن يكون هناك وعـي أكبر بـذلك”.

مقالات ذات صله