بين الوفاء والغدر …. نقل ملكية العقارات بين الأزواج سلاح ذو حدين

بغداد_ متابعة

مع خيوط الفجر الأولى انطلقت حنان بصحبة شقيقها الأكبر من مدينة الحلة متوجهة إلى مدينة الصدر ببغداد، وبصعوبة غالبت فيضا من الدموع وهي تتذكر زوجها الذي توفي قبل عامين نتيجة مرض عضال، فقد كان يصحبها في مثل هذا الوقت بالضبط كلما توجها لقضاء شأن ما في العاصمة. بقيت حنان، وهي إمرأة ثلاثينية، صامتة تحدق في المشاهد التي تتوالى عبر زجاج نافذة السيارة، وكان بودها أن تبدي لشقيقها ما تعيش فيه من مشاعر مؤلمة، فلأول مرة في حياتها ستقابل ضرتها وأولادها، فقد كانت هي الزوجة الثانية لرجل متزوج لديه باقة من الأولاد. كانت متيقنة ان ما حدث لم يكن لأحد دخل فيه، بل كان لعبة من ألعاب القدر الطائشة، فحالما تعرفت على (ك. حبيب) ارتبطا بوثاق من الألفة والمحبة والفداء والتضحية وكأنهما يعرفان بعضهما قبل عشرات السنين، ثم زاد تعلقهما، فبات أحدهما لا يفارق الآخر، واعتزت بشجاعته عندما اعترف لها بأنه متزوج من إمرأة أخرى. وفي باب التسجيل العقاري تعرفت على عائلة زوجها الأولى، وتبادلت معهم التحيات التقليدية، وشعرت انها مجاملات مبنية على جبل من الثلج، وليس فيها سخونة المشاعر الحقيقية وتدفقها، لكنها مع ذلك، عزمت على عدم التراجع عن قرارها في التنازل عن حقوقها في منزل زوجها المتوفي لصالح زوجته الأولى وأولادها، فقد كانت تعد ذلك جزءا من الوفاء لرجل سجل كل ما فيه من أجل راحتها وسعادتها.

وحين وقفت قريبا من الموظف المسؤول تذكرت كم لامها أشقاؤها على قرارها هذا، فقد طلبوا منها ألا تتنازل عن حقوقها ضمانا لمستقبلها المجهول، لكنها أصرت على ذلك وفاءً لمن اختفى من حياتها، وتحول إلى اسم شاحب على شاهدة ضائعة في فوضى القبور. نادى الموظف باسمها، وتأكد من هويتها، ثم طلب منها أن تغمس يدها بالحبر وتبصم على تنازلها، وحالما بصمت شعرت بالتحرر من دين ثقيل، وتملكها شعور بأن الفقيد قريب جدا منها، حتى لتكاد أن تشم عطره الفواح، فانخرطت في بكاء مرير قطعته شهقات صادقة، ولم تجد زوجة الفقيد الأولى غير الاحتضان والقبلات وانهار من الدموع تعبيراً عن الاعتزاز بتلك الزوجة الوفية، فيما أخذ الأولاد ينتحب كل واحد منهم في مكان.

ويعلق الدكتور محمد عبد الحسن الأستاذ في علم الاجتماع على مدى تفاوت الوفاء بين شخص وآخر قائلا: ان الوفاء حالة قيمية إنسانية، تخضع لمبدأ النسبية، اي انها قد تختلف من شخص الى شخص، ومن وقت الى آخر، وعلى وجه العموم، فان الثقافة الاجتماعية هي ثقافة ذكورية ترى ان الرجل أكثر وفاءً من المرأة، وانها بطبيعة الحال هي الأقل وفاءً، كما أن المرأة تتأثر بعواطفها ومشاعرها أكثر من الرجل، ومع كل ما ذكر فإن الوفاء قد يكون مكلفا للفرد من الناحية المادية والاجتماعية وليس كل الناس مستعدين لتقديم تضحية كهذه، ولذلك فإن الناس يتفاوتون ويتدرجون من حيث الوفاء، أو الإيفاء بالمتطلبات التي يتطلبها الوفاء للآخرين.

ويضيف عبد الحسن: “إن الهيأة الاجتماعية في بعض الأحيان تفترض أن يفني الإنسان ذاته بقصد الوفاء، من غير أن يكون هناك مبرر عقلاني أو إنساني أو ديني، فعلى سبيل المثال يفترض المجتمع أن تبقى المرأة وفية لزوجها المتوفى وألا تفكر بالزواج مرة ثانية وإلا صارت هذه المرأة غير وفية وخائنة للعشرة والعلاقة الزوجية السابقة، في حين ان المجتمع نفسه لا يجد غضاضة في أن يتزوج الرجل او الزوج الذي توفيت زوجته ولو بعد أيام من وفاتها”.

وقريباً من أحد الممرات المؤدية الى قسم التخارج في محكمة الأحوال الشخصية بدت على قسمات وجه أريج علامات الحزن وهي تنتظر بفارغ الصبر إجراء معاملة التخارج عن الميراث لمنزل زوجها المتوفى كون ذلك المنزل هو الشيء الوحيد الذي يملكه ولا توجد لديه أملاك أخرى.

وتروي أريج بحسرات تحرق القلب وبدموع ساخنة رحلتها في استرجاع حقوقها المسلوبة في دائرة التسجيل العقاري قائلة: «كان زوجي متزوجا من امرأة أخرى تصغره بخمسة عشر عاما، وقد استمالت قلبه حتى أغرقته ببئر من الأوهام، لاسيما بعد إنجابها ولدا، فتنازل عن نصف منزل العائلة لغرض حمايتها من مخالب الزمن إذا ما وافته المنية، وهذا ما دفعني الى المطالبة بحقوق ابنتي شرعا وقانونا، ولكن قدَّر الله وما شاء فعل!».

ويقول المستشار القانوني رامي احمد الغالبي: إن «المشرّع العراقي قيَّد رغبة الرجل في تعدد الزوجات فلم يجز التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات وترك تقدير ذلك لقاضي الأحوال الشخصية وعلى ذلك لا يجوز لغير القادر على القيام بحسن العشرة والإنفاق والقدرة المالية على إعالة أكثر من زوجة الزواج بثانية. فجاءت الفقرة (4) من المادة (3) من قانون الأحوال الشخصية مبينة النواحي التي يجب أن يتناولها التحقيق وهي لا يجوز الزواج بأكثر من واحدة إلا بإذن القاضي ويشترط لإعطاء الإذن أن تكون للزوج كفاية مالية لإعالة أكثر من زوجة واحدة، وأن تكون هناك مصلحة مشروعة. وبطبيعة الحال فإن هذين الشرطين من كفاية مالية ومصلحة مشروعة يضمنان المناخ القانوني والشرعي لكلتا الزوجتين, ويمنعان ميلان الزوج الى زوجته الثانية.

ويشير أحمد الغالبي الى أن «موضوع تعدد الزوجات قد أثيرت حوله شبهات كثيرة في مبادئ الشريعة الإسلامية، فقيل انه مضيعة للأسرة وفيه قطع لأواصر الرحم والقرابة نظراً لما يحصل من تنافر وعداوة بين الزوجات وأولادهن فيعيش الجميع في جو فاسد فينتقل فساده الى نفوسهم وأخلاقهم.

وان ميلان الزوج وتفضيل الزوجة الثانية على الأولى يأتي بدمار لكل ما بناه الزوج في أسرته الأولى حتى لو كانت الزوجة الثانية ذات طباع أخلاقية جيدة، إذ إن هذا الميلان يسبب التنافر بين الاخوة وهو تدمير واضح لمعالم صلة الرحم، والأفضل للرجل ان يأخذ بنظام الشرع والقانون حفاظا على أسرته المتكاملة من أبنائه من كلتا الزوجتين، ويباح الزواج بأخرى في حالات منها: إذا كانت الزوجة الأولى عقيمة لا تلد والزوج يتطلع الى الذرية والرغبة في الحصول على ذرية، وإذا كان الزوج بحكم عمله وإقامته في غير بلده تستغرق شهورا وهو لا يستطيع أن ينقل زوجته وأولاده معه ولا يستطيع أن يعيش وحيداً خلال هذه المدة الطويلة، ما يقتضي أن يتزوج ويقيم معها إقامة مشروعة، وفي حالة عودة المطلقة الى عصمة زوجها السابقة، فقد يرى الزوج الذي افترق عن زوجته بطلاق أو تطليق وتزوج بأخرى ان يضم الى عصمته زوجته السابقة التي تبادله الوفاء والمودة بعد أن عفا الزمان على أسباب الخلاف بينهما أو بدافع رعاية أبنائهما». ويضيف الغالبي: ينشأ الحب بين رجل وامرأة أخرى تحت ظروف مختلفة بحيث يصعب عليهما التخلي عن بعضهما فإنه ليس لها سلطان على قلبه في حب المرأة الجديدة وإن المصلحة تقضي بأن يباح له أن يتزوج على زوجته درءا له من معاشرتها معاشرة غير مشروعة أو طلاقه لزوجته، ويمكن أن يتزوج صلة للقربى كأن تكون يتيمة لا مأوى لها فيرى هذا الرجل أن من الإحسان لها أن يضمها الى بيته زوجة مع زوجته الأولى كفالة وإعفافاً لها.

وتكمل أريج قصة تنازل زوجها عن ملكية نصف المنزل لزوجته الثانية فتقول: «لقد دفع عجلة قدره المحتوم بيده عندما تنازل عن نصف منزلنا وهو ما زال على قيد الحياة، لتغتنم الزوجة الثانية الفرصة التي ارتمت من تلقاء نفسها بين يديها حالما تعرض زوجها الى فقدان النطق وضعف العضلات في أطراف الجسم أقعدته طريح الفراش نتيجة إصابته بالسكته الدماغية، فتركته كأية قطعة أثاث قديمة متهالكة الى أن وافاه الأجل». وتقول أريج والألم يعتصر قلبها: “لم يمر أسبوع على وفاته حتى تسلمنا تبليغا من قبل المحكمة مقدما من زوجته الثانية يطالب بوضع المنزل في وضع إزالة الشيوع”.

وقد أحرجنا الأمر، لاسيما ونحن ليست لدينا القدرة على دفع مبلغ مالي لشراء نصيبها في المنزل». لسعة حزن حارقة تصيب قلب أريج بين الحين والآخر خوفا من المستقبل، لتجر أذيال الخيبة على أمل أن تتنازل عن بيع المنزل باسم الوفاء.

وانتقلت هذه الوصمة الاجتماعية الى الأدب كما في كتاب «كليلة ودمنة»، إذ ورد أكثر من نص بهذا الصدد وصف النساء بقلة الوفاء، ومع ذلك فإن قضية الوفاء هي قضية نسبية فقد تكون المرأة أكثر وفاءً من الرجل والعكس صحيح، وقد يكون من المستغرب ان الثقافة الاجتماعية من خلال الأدب والحكايات والمرويات تجعل من بعض الحيوانات كالكلب، مثالاً للوفاء.

وكأن هذا الحيوان قد جسد معاني ومقاصد الوفاء أكثر من الرجال والنساء مجتمعين، إذ إن النظرة الاجتماعية المسبقة هي سلبية بالمجمل، ما يمهد الطريق الى أن ينساق الفرد أو المرأة مع تلك النظرة الاجتماعية. وبعيدا عن الجدل والنقاش، تقف أريج مكتوفة اليدين وهي ترى منزل العائلة يتبخر أمام عينيها وكل أحلامها على وشك أن تتحطم على صخرة الواقع المر المتمثل بعدم وفاء المرأة الأخرى.

 

 

 

مقالات ذات صله