بين إعكتاف الصدر وإقتحام المنطقة الخضراء .. العملية السياسية على صفيح ساخن

تحليل سياسي

منذ أن سلّم رئيس الوزراء حيدر العبادي مجلس النواب الظرف المغلق المتضمن سير غامضة لوزراء من التكنوقراط كدلالة على التغيير الموعود فقد دخلت العملية السياسية في حالة الموت السريري. فالتظاهرات التي خرجت منذ تموز عام 2015 وحتى بلوغها مرحلة الإعتصام أمام بوابات المنطقة الخضراء ومن ثم إقتحامها أكدت بما لايدع مجالأ للشك أن العمليةالسياسية لم تعد قادرة على إصلاح نفسها.

فالظرف المغلق المتضمن وزراء التكنوقراط خضع لـ “حيص بيص” المحاصصة حتى قبل فتحه ودراسة سير الوزراء من خلال لجان البرلمان التي رفضت من رفضت وعلقت قبول الآخرين على ما يمكن ان تسفر عنه المداولات السياسية. وفيما إستمرت التظاهرات التي سرعان ما أشعل فتيلها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بدعوته الاولى الى التظاهرات المليونية قبل نحو شهرين فإن الصراع إنتقل من داخل الاروقة عبر المفاوضات بين زعامات الكتل السياسية الى الشارع الذي إزدادت ضغوطه بطريقة لم تكن مسبوقة.

مع ذلك فإن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وجد إنه قادر على تخطي أزمة الشارع هذه من خلال محاولة الجمع بين وزراء الظرف المغلق والمفتوح والأخير هو ما توصلت اليه الكتل السياسية من توافقات على ما اسمته “التكنوقراط السياسي” والذي هو شكل من اشكال المحاصصة المحسنة. لكن الصدر الذي غالبا ما يجد نفسه في وضع أفضل من سواه من الزعامات السياسية او حتى رجال الدين ممن يمتلكون كتلا سياسية فإن “الصدر” قادر دوما على مفاجأة الجميع بما لايتوقعونه.

فهو بخلاف سواه ـ وهي من مصادر قوته ـ لم يعلن التزامه بكتلة وزارية تمثله, ولا بكتلة نيابية “كتلة الأحرار” التي طالما أعلن تجميدها ومن ثم إعادتها وصولا الى مرحلة إعتصام النواب وإنضمام الأحرار اليهم قبل أن يسحبهم وسط ذهول المعتصمين وبكاء مثلما قيل بكاء بعض نواب الكتلة. وبالقياس الى تمسك القادة الآخرين بوزرائهم أو نوابهم فإن لجوء الصدر الى الشارع منحه قوة إضافية جعلته قوة كبيرة للحاضر حتى في مجال تصفية الحسابات لو اراد وقوة إدخارية للمستقبل لاسيما أن الصدر كانت له مواقف سابقة لاسيما من أبناء المناطق الغربية سواء من تظاهرات عام 2013 في المحافظات الغربية او زياراته الى رموز السنة من الأولياء مثل الشيخ عبد القادر الكيلاني وأبو حنيفة النعمان وأدائه الصلاة خلف إئمة السنة حيث هناك من إستغل مثل هذه الأمور ضد الصدر في إنتخابات عام 2014.

حين سئل الصدر من قبل احدى وسائل الإعلام عن ذلك كان جوابه الواضح إنه حتى وأن خسر الحاضر فإنه سوف يربح المستقبل لأنه يراهن على تيار جل المنتمين اليه من الشباب.

وحيال مصدر القوة المتنامي هذا بات بمقدور الصدر التحكم بمجريات الأحداث تطبيقا لنهجه هو في الإصلاح الذي يبدو مختلفا تماما عن نهج سواه من القادة ورجال الدين والقائم على اساس الغاء المحاصصة الحزبية والطائفية مع عدم المطالبة بإستحقاق وزاري او نيابي.

لذلك فإن الصدر وإن كان الكثيرون يرون إنه أقرب الى تصورات رجل الدين منه الى رجل السياسة فإن القراءة الموضوعية المتاملة لشخصيته ربما تعكس تصورا آخر. فالصدر وإن كانت دوافعه هي الغاء المحاصصة الحزبية والطائفية المعمول بها منذ عام 2003 بطريقة ثورية مع الإحتفاظ بقدرة هائلة على ضبط التيار الصدري الذي لم يعد منفلتا مثلما يرى الكثيرون أو  حتى إحتمال دخول مندسين بين صفوفه فإن عينه على المستقبل وهو مابات يخيف شركائه داخل البيت الشيعي.

فالصدر وسواه من الزعماء السياسيين او رجال الدين يدركون ان أي تغيير مهما كان جذريا الآن سوف لن يحقق ماهو مطلوب طالما أن عمر الحكومة والبرلمان الحالي لم يعد يفصلهم عن موعد الإنتخابات النيابية القادمة (2018) وبالتالي فإن كل ما سيتم تحقيقه الآن سيكون “بروفة” للأنتخابات القادمة التي يرشح الكثيرون التيار الصدري لحصد الاغلبية فيها داخل المناطق والمحافظات الشيعية بعد ان فشلت الكتل الاخرى “الدعوة, المجلس الأعلى, الإصلاح, الفضيلة , دولة القانون” سواء في تقديم البديل أو الخروج من شرنقة المحاصصة.

ولذلك فإنه يبدو من باب المفارقة أن عملية إقتحام المنطقة الخضراء بهدف تاسيس واقع جديد للمستقبل تمت بعد أقل من ساعة على اعلان الصدر إعتكافه من الحنانة بالنجف وهي رسالة بدت بليغة في ظاهرها ولكنها تحمل المزيد من الألغام للشركاء والخصوم معا في ان من يكتب تاريخ العملية السياسية الجديدة ليس هو من اسسس المحاصصة ورمزها الاكبر المنطقة الخضراء بل من إقتحمها بالفعل الجماهيري دون أن يحدث فوضى.

فلو كانت قد رافقت العملية فوضى أو تطورت الأمور الى الفوضى وهو ما يحرص الصدر وكتله “الاحرار” على عدم حصوله فإن كل ما بناه أو يسعى الى بنائه سوف يتهاوى ويحصد من إستهدفهم الصدر وفي المقدمة منهم جماعة “الولاية الثالثة” مثلما يسميهم ما زرعه الصدر بنفسه ولكن بطريقة معكوسة.انتهى

مقالات ذات صله