بيع الملابس العسكرية في الأسواق العامة… تجارة رابحة مليئة بحكايات ومخاطر

بغداد _ متابعة

في منطقة الباب الشرقي في العاصمة بغداد تستطيع اليوم ان تصبح ضابطا خلال ثواني وتجتاز دورة الترفيع الى ان تصل الى البياع  تصبح فريق ركن..

يروي سعدون غماس صاحب محال لبيع البزات العسكرية حكاية تعرضه عام 2006 الى مضايقات العديد من الجماعات التي يجهل هويتها ، بالقول:  جاءت جماعة الى بيتي في ساعة متأخرة من الليل طلبت مني تجهيزها بكميات كبيرة من الملابس العسكرية وخاصة المشابهة لما ترتديها القوات الأميركية، وبعد نقاشات لم تدم طويلا وأمام المبلغ الذي عرض عليّ وقتها وافقت على بيعها”.

وأضاف غماس “ان العوز المادي واغلاق محلي لعدة أشهر بسبب الأحداث التي شهدتها العديد من مناطق بغداد وخاصة مدينة الصدر هما من دفعاني لبيع هذه الكمية من دون معرفة هوية الزبائن, أما مع عودة الأمن لكثير من المناطق في الوقت الحالي جعلني أتروى كثيرا في بيع هذه الملابس خوفا من استغلالها من قبل الجماعات المسلحة، كما أنني اتفقت مع العديد من الباعة خاصة ان كان منهم من أقاربي على أن نكون أكثر دقة في بيعها فضلا عن أننا نسأل من يشتري عن عمله والى أية جهة أمنية ينتسب ونتأكد من خلال هويته وأوراقه الرسمية التي تثبت انتسابه؟.”

ونحن نصغي الى هذا الكلام .. يقصد الشرطي  ياسر خليل هذا المحل ، باحثاً عن درع واقية من الرصاص، لكنه فوجئ بغلائها. سعر الدرع الاميركية 300 دولار، والعراقية 1500 دولاراً، فقرر بدلاً من ذلك، شراء ملابس عسكرية جديدة كي يكون مميزاً عن أقرانه.

وقال: أصبحت مسألة شراء التجهيزات العسكرية من الاسواق أمراً ضرورياً في ظل التنافس بين أفراد الاجهزة الأمنية على اقتناء الأحدث والأجمل، وبدأت هذه التجهيزات دخولها  البلاد بشكل ملفت للنظر  في الاعوام القليلة الماضية والإقبال عليها كبير.

ويحرص ياسر على تخصيص مبلغ من مرتبه شهرياً، لشراء ما يلزمه، كالاحذية والدروع والأحزمة الجلدية والخوذ وحاملات الاسلحة وغيرها، ويفضل الأميركي منها.

من جانبه يقول الحاج عبد الله جواد (54)  سنة وهو أحد بائعي هذه الملابس في الباب الشرقي انه ، أن يختار زبائنه بدقة ،  فالحاج الذي امتهن هو وأولاده هذه المهنة منذ تسعينيات القرن الماضي، صار يخشى هذه الأيام عدد ونوع الزبائن ممن يشترون بضاعته، فقد رفض الشهر الماضي بيع عشر بدلات دفعة واحدة لشخص ترجل من احدى السيارات ذات الدفع الرباعي، عندما طالبه باثبات انتسابه الى جهة رسمية، وعند اعتذار الأخير رفض بيعه بسبب التعليمات والتحذيرات من قبل القوات الأمنية التي شددت في الآونة الأخيرة إجراءاتها بسبب أن الكثير من الهجمات الارهابية التي تنفذ بملابس ورتب عسكرية.

ويقول ابو علاء، صاحب محل لبيع التجهيزات العسكرية ان الجنود العراقيين يفضلون البزات المستوردة لكن بعضهم يقبل على شراء الصناعة المحلية الأقل سعراً، فثمن الواحدة منها 500 دولاراً، فيما يكتفي آخرون بالبزات التي يحصلون عليها من الحكومة ويبحثون عن (الإكسسوارات) الكمالية وغير الضرورية. ويضيف إن عناصر الاجهزة الأمنية يحاولون تقليد الجنود الأميركيين فيشترون الأزياء القريبة إلى ما يرتديه هؤلاء الجنود، لأنهم موجودون في الشوارع وبين المواطنين وليس في معسكرات بعيدة، ولذا يهتمون بأناقتهم.

في حين أكد عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية عمار طعمة ، إن “الزي العسكري يفترض أن ينحصر تجهيزه من قبل  الوزارات، ولا يسمح تداوله في الأسواق، لأن الكثير من العمليات الإرهابية نفذت بواسطة هذا الزي وذلك لسهولة اقتنائه”، موضحاً ان “حصر تجهيز البدلات من شأنه أن يمنع الجهات الإرهابية من الحصول عليها، بالإضافة الى أن هذه الوزارت تتضمن مديريات للملبوسات، ومن ثم يصبح بالإمكان تعقب المسؤولين ومحاسبتهم في حال حدوث خروقات تحصل بأسلوب الانتحال”.

أما عن سبب عدم تجاوب الوزارات الأمنية مع دعوات اللجنة بهذا الخصوص فأكد طعمة أن ذلك يعود الى “عدم الجدية في التعاطي مع نصائح لجنة الأمن والدفاع، والتي كانت في أغلب الأحيان ذات رأي سديد”. كما حمّل اللجنة جزءاً من المسؤولية في التغاضي عن الموضوع، وقال: من أسباب إهمال هذا الموضوع ضعف رقابتنا في متابعة مدى تطبيق السلطات التنفيذية للتوصيات التي نقدمها لها، وبالتالي فأن جزءاً من الخلل يقع على عاتقنا كلجنة برلمانية رقابية”.

وتجولنا في احد شوارع شارع الرشيد والتقينا أحد خياطيها ابو محمد الذي تحدث قائلاً: انا أعمل في خياطة الملابس سواء كانت المدنية أو العسكرية منذ ما يقارب 25 عاما  ولكني في الوقت الحاضر ارى اقبالا على خياطة البزات العسكرية  التي ياتي  اشخاص الى محال الخياطة ويطلبون بتفصيل بزات عسكرية وانا بدوري تخصصت بخياطة الملابس العسكرية فقط بسبب الطلب على هذا النوع, كما أود أن أذكر أمرا مهما هو أن جميع من يبيع ويشتري ويعمل في هذه المهنة أصبح لديه في الوقت الحالي حذر وحس أمني كبيرين بسبب الأحداث التي مر بها بلدنا، لذلك تجده يبادر ويسأل من يشتري منه بدلة أو احد مستلزماتها عن أسمه ومكان انتسابه ولماذا هو في حاجة لشراء بدلة عسكرية؟”.

في حين تاجر الجملة جعفر الخزرجي في الباب الشرقي أعرب عن دهشته للزيارات المتكررة من قبل القوات الأمنية وتشديدها  في الآونة الأخيرة على ضرورة اصدار رخص لممارسي هذه المهنة.

وبشأن منشأ هذه الملابس والمواد التي تدخل في صناعتها، قال الخزرجي: “منذ العام 2003 وحتى الآن وأنا أقوم بسفرات شهرية متكررة الى اقليم كردستان من أجل شراء هذا النوع من الملابس ومستلزماتها من الأحزمة والدروع بأصنافها والخوذ والأحذية وباقي المستلزمات العسكرية، فأنا أحد المصادر الرئيسة لتجارة هذا النوع من الملابس بالتحديد.

وكان لنا وقفة  مع احد منتسبي  وزارة الدفاع في الباب الشرقي ماهر النعيمي قال ان بدلتي تمزقت اثناء تنفيذي أحد الواجبات الأمنية لذلك اضطررت لشراء بدلة جديدة التي كلفتني 255 الف دينار وهي من النوع الصيني الذي لا يتمزق بسهولة قياسا بالبدلة محلية الصنع التي تفقد لونها ومتانتها بعد أسابيع من استعمالها”.

ويوضح انه يتسلم بدلتين في السنة من وحدته العسكرية، احداهما شتوية والأخرى صيفية، لكنهما بطبيعة الحال لا تكفيان مقارنة مع عمل الوحدات الأمنية الذي يتطلب ساعات طويلة من التعرض للمتغيرات الجوية من حرارة الشمس الحارقة وبرد الشتاء.

من جانبه تحدث لنا ابو مرتضى صاحب محل لبيع البزات في منطقة العلاوي عن اسعار البزات العسكرية..

حيث قال  “ان الأسعار تكاد تكون ثابتة ومناسبة في الوقت نفسه باستثناء الشيء القليل، فهي تتباين من بدلة الى أخرى حسب المنشأ والجودة، فهناك بدلات صينية المنشأ لا يتجاوز سعرها الـ (500) الف دينار، وهناك بدلات أميركية الصنع والتي تراجع الطلب عليها في الآونة الأخيرة، لا يتجاوز سعرها الـ( 100) الف دينار، كما ان هناك ملابس من مناشئ عدة منها التركي والكوري والتي لا يتجاوز سعرها الـ(80) الف دينار، وهي قليلة التداول وسوقها لا يجد رواجا.. أما البدلات العراقية الصنع فيتراوح سعرها ما بين 10 الى 15 الف دينار فقط .

 

 

مقالات ذات صله