بيع الدور السكنية .. محاولة لتوفير مصادر للرزق وتسديد المتطلبات اليومية

بغداد_ متابعة

الدار للبيع ، مفردة جديدة لا يكاد يخلو زقاق أو محلة من تعليقها على معظم الدور السكنية في المناطق الشعبية على وجه الخصوص ،بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وانحسار فرص العمل ،أما في بقية المناطق فالوضع يختلف تماما ،فالبيع أما أن يكون نحو مسكن فاره ،يحتوي على مواصفات بناء خليجية أو تركية ،تضاهي بمواصفاتها ما لا يخطر على البال والعقل ،ولعل الخزينة الاقتصادية التي يسعى من أجلها معظم أهلنا الكادحين ،هي عدم الإفراط بسلعتين أساسيتين ،هما الدار، وكانت هذه المفردة أولى الكلمات التي نسمعها بدخولنا لمرحلة الدراسة الابتدائية ،أما السلعة الثانية فهي المقتنيات الذهبية ،التي لم تسلم على جلدتها وسط أزمات اقتصادية تعصف بالمواطن منذ عام 1991 ولا ندري متى تنتهى ،وهنالك عوامل كثيرة بالاضافة إلى مما ذكر ،لجنوح المواطن إلى بيع دار سكناه ،فزيادة عدد أفراد الأسرة والانشطار العائلي نتيجة حالات الزواج ،والضرورة المتصاعدة لتوفير وحدة سكنية تصل مساحتها إلى أقل من خمسين مترا، تلافيا للمشاكل العائلية ،وبالكفة الأخرى من الميزان بلغ سعر المتر الواحدة في مناطق الكرادة أو المنصور وزيونة ثمانية ملايين دينار،لغرض الاستثمار التجاري ،وهذا المبلغ ربما يكون كافيا لشراء قطعة أرض حواسم مضطرا لشرائها المواطن ،وفي محصلة نهائية نجد أن أغلب الحلول لتلك الأزمات ،التي لجأت إليها تلك الأسر هي تقطيع أوصال البيوت ،وبيعها جزارة إن جاز التعبير ،وبالتالي سببت قلة في تقديم الخدمات وتدني مستويات أسعارها.

أجورنا قليلة وشهاداتنا الجامعية بلا ثمن ، هكذا يطلقها أحمد سليم /المقيم في مدينة سدني باستراليا ،ولم يكن لدينا بديل سوى بيع  الدار التي ورثناها وأخوتي الأربعة من والدي “رحمه الله” لذلك كنا مضطرين إلى بيعها بثمن بخس واللجوء إلى استراليا ،لاولا أخفيك سرا أن الوضع الأمني والاقتصادي كان من أهم الأسباب التي دعتنا إلى ذلك ،وهنالك الكثير من العراقيين هنا على حافة الهاوية والإفلاس ،لولا المساعدات التي تصلهم من أقربائهم ،نتمنى الرجوع ، فشريان حياتي ما زال معلقا بالعراق.

ليث صباح /طالب مرحلة ثانية كلية الهندسة قال لنا بنبرة عتاب على الحلول العشائرية: حيث أجبرنا على بيع دارنا وتسديد ما يسمى بالفصل العشائري والبالغ 180مليون دينار ، بسبب حادث انقلاب سيارة أخي محمد الذي أدى إلى وفاة 4أشخاص ،لم يكن لدينا بديل سوى دارنا التي عشنا فيها أجمل ذكريات طفولتنا البريئة ،ونحن الآن نسكن دار ايجار ببدل قدره 250 الف دينار شهريا .

فيما ذكر لنا /والد الطالبة زينب الرابع الابتدائي بقوله: لم أكن أتوقع هذا الجشع من قبل الأطباء ، وكنت أظن أن مهنة الطب إنسانية ،لكنني فوجئت بالمبلغ الذي طلب مني وقدره 7ملايين دينار لغرض تبديل مادة البلازما في دم ابنتي ،حاولت مرارا مع مدير مستشفى  الأهلي لكن جميع محاولاتي باءت بالفشل بسبب الجشع الذي أصاب بعض الأطباء ،وافتقادهم الجانب الإنساني ،ورغم تبديل هذه المادة ولثلاث مرات متتالية وبنفس هذا المبلغ ،الا أن  ابنتي فارقت الحياة ،وبدأت أسدد المبلغ الذي استقرضته من بيع داري الوحيدة .

ويرى أبو بشير العبودي/صاحب مكتب دلالية الأصدقاء /الشعب حي أور /بأن أسعار بيع العقارات قد انخفضت بنسبة 60%قياسا إلى مبيعات العام الماضي ،بسبب عدة عوامل منها  أن الأسعار ستشهد انخفاضا ملحوظا ،نظرا لسياسات الدولة التقشفية في مجمل إيرادات الخزينة العامة ،كما أن الضرورة الفعلية لشراء العقارات من قبل المواطنين ،جعلتهم يفكرون ببدائل أخرى كقطع الأراضي الزراعية ،التي تتصف بالمساحة الكبيرة ،ويقابله في هذا الجانب قلة الخدمات ،باستثناء قطع الأراضي التي توزعها بعض الجمعيات التعاونية ،أو الوزارات كالصحة والدفاع والداخلية ،أما مناطق الكرادة وزيونة والمنصور ،فإنها نادرا ما تجد حركة بيع العقارات ،بسبب تفاوت المستوى الاقتصادي من حيث مصادر الدخل المتعددة والمتنوعة .

من جانبه  قال الخبير في العقارات المحامي مصطفى سالم :إن الأزمات الاقتصادية وربما الأمنية منها التي لم تعالج ،قد ألقت بظلالها على المواطن ،فالعديد منهم لجؤوا إلى بيع دور سكناهم بأسعار دون مستواها ،على أمل توفير بعض المال لتوفير بعض المتطلبات اليومية ،مشيرا في الوقت نفسه إلى ضرورة معالجتها من خلال توفير فرص العمل للشباب العاطلين ،وكذلك ضغط النفقات الحكومية وتنويع مصادر إيرادات خزينة الدولة ،من خلال دعم السلع الاستهلاكية للمواطن ،وتوفير مفردات البطاقة التموينية ،وهذه السياسية ربما تساهم بالخروج من هذا المأزق ،وبالتالي تؤدي إلى زيادة المستوى الاقتصادي للمواطنين عموما ،ثم أن هنالك مسألة أخرى هي ضعف الإجراءات الخدمية في دعم الوحدات السكنية الجديدة ،حيث يبلغ مستوى الدعم الحكومي 3 وحدات سكنية من أصل 300 وحدة سكنية ،منذ عام 2006 ولحد الآن ،وواقع الحال إن المطلوب حاليا بناء أكثر من خمسة ملايين وحدة سكنية قابلة للزيادة ،بحسب الإحصائيات الصادرة من وزارة التخطيط .

أما وقفتنا التالية، فكانت مع المحلل الاقتصادي الدكتور سعد ياسين الأمارة ،ليحدثنا عن ظاهرة تنامي بيع العقارات والأسباب وراء ذلك فيقول :لاشك أن الجدال القائم  الان في البرلمان العراقي ،عن اقرار الموازنة الاتحادية والتي خلت من الهوية والبعد الانمائي والتنموي ،بعد تخصيصها للنفقات التشغيلية 70% فيما الموازنة الاستثمارية 30%والعجز تخطى المعايير الدولية ،التي يفترض العجز فيها 3%فيما العجز في الموازنة أدى الى ركود الوضع التجاري بشكل عام ،باعتبار أن حركة البيع والشراء ،تتأثر باقرار تلك الميزانية ،ولأشك أن خوف المواطن من المستقبل المجهول ،أدى إلى توفير بدائل لموارد اقتصادية أخرى مثل بيع الدور السكنية أو رهنها ،وأوضح “ياسين “أن مستوى تحسن دخل المالي للفرد ، وانسيابية حركة السوق كافة مرتبط بإقرار الميزانية الاتحادية ،واستقرار أسعار بيع النفط ،وهذه المعطيات أثرت سلبا على بيع الدور السكنية على أقل تقدير ،ومن الجدير بالذكر أن العراق يعاني من أزمة سكنية خانقة ،نظرا للانشطار العائلي بين أفراد الأسرة الواحدة ،بالإضافة إلى غلاء مواد البناء والأراضي السكنية.

 

مقالات ذات صله