اخــر الاخــبار

بعيداً عن النظرة المثالية للفن  .. كيف استُخدمت الفرشاة والقلم للتشهير بالآخرين؟

بغداد _ متابعة

للفنِّ أكثر من وجه، وبعيداً عن أن الفن يهذب الإنسان، هناك جانب لا يعرف عنه الكثيرون شيئاً، وهو عندما “يُشهِّر” الفن ويجعل سيرة شخص بعينه على كل لسان.

قبل عدة قرون أقدم الفنان الشهير ليوناردو دافنشي بما يشبه ذلك. إذا قال العقاد في مقال له عن دافنشي، بأنه لما كُلف برسم لوحة العشاء الأخير، كان يستغرق ساعات طويلة في التفكير، فيجلس شارداً يبحث عن الإلهام، ولا يضرب بفرشاته إلا قليلاً.

فغضب منه القسّ الموكّل بالإشراف عليه، وحسبه يضيع الوقت ولا ينجز ما هو مطلوب منه. وبدلاً من أن يخبره بذلك، أو أن يعاتبه أو يستفهم منه سبب ذلك، ذهب القسّ ليشكوه مباشرة إلى رؤسائه.

ويبدو أن دافنشي سمع الخبر بطريقة أو بأخرى، ولحسن حظه وسوء حظ القس، لم يكن قد اختار بعد ملامح يهوذا الإسخريوطي الذي وشى بالسّيد المسيح، فقرّر أن يضع ملامح القس على جسد يهوذا، وهو ما فعله بالفعل بمنتهى البراعة، وعندما تعرض للانتقاد أصر على موقفه، وقال إنه أرد أن يعطي القس وأمثاله درساً لا يُنسى.

 

وفي عالم الرواية، لا يمكن نسيان رواية السراب للكاتب المصري نجيب محفوظ التي كادت تتسبب في قتله.

والقصة، كما يرويها الناقد رجاء النقاش، أن محفوظ استلهم بطل روايته “كامل رؤبة لاظ” من صديق له في المقهى، وهذا أمر عادي، لكن المشكلة أن بطل الرواية كان ضعيفاً جنسياً، ويعاني تعلقاً مرضياً بأمه.

ونقل أحدهم حكاية الرواية للصديق الذي استُلهمت منه، فثار وأحضر مسدساً وقرر قتل نجيب محفوظ، وذهب إلى المقهى الذي يجلس فيه بالفعل، وقال له “إنت كاتب عني يا نجيب؟” وجرى خلفه محاولاً النيل منه، لكن أصدقاء مشتركين تدخلوا واحتووا الأزمة.

وربما في هذه الحكاية لم يكن محفوظ يقصد التشهير بصديقه، لكن هذا ما حدث على أي حال.

ومن الرواية إلى الرسم مرة أخرى، وقصة انتقام عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد، من الفتاة التي أحبها وخذلته.

الأمر كان صعباً ومليئاً بالتعقيدات منذ بدايته، فالعقاد كان في الخمسين، والفتاة السمراء التي ملكت قلبه كانت في العشرين. إنها الفنانة الراحلة مديحة يسري

بدأت القصة عندما رأى العقاد صورتها في إحدى المجلات المصرية عام 1939، فأعجب بها، ودعاها لحضور صالونه الأدبي الذي كان يُعقد كل جمعة، وانبهرت به الفتاة بالتأكيد، واستمرت علاقتهما فترة من الوقت.

لكنها سرعان ما انضمت لعالم الفنّ، إذ رآها الفنان أحمد سالم، ودعاها للعمل في السينما، وبين يوم وليلة تغيّر كل شيء، إذ أصبحت مشهورة وتكاثر المعجبون حولها طوال الوقت، وهو ما رفضه العقاد، وأبى أن يكون أحد الطائفين حولها، فخيَّرها بينه وبين الفن، ولما اختارت الفن، انتهت علاقتهما.

قرّر العقاد رغم كبر سنه ومقامه، أن ينتقم منها، وفي الوقت ذاته، ربما أراد أن يشفَى من هواها، فكلّف صديقه الرسام صلاح طاهر برسم صورة فيها تورتة يلتف حولها الذباب، وعلّقها في غرفة نومه، ووضع أحذيته أسفلها.

وانتهز العقاد فرصة زيارة مديحة يسري له ذات يوم مع والدها، واستدرجها إلى غرفة النوم ليريها الصورة، ففهمت الرسالة، كان يريدُ أنْ يقول لها أنّها أصبحتْ مثل التورتة المكشوفة التي يلتف حولها الذباب، ولم تعد تليق بالعقاد، فخرجت مديحة باكية من غرفة العقاد ومن حياته للأبد.

مقالات ذات صله