بعد ناهدة الرماح وسليمة خضير … الى اين يتجه دور المرأة في المسرح العراقي ؟!

بغداد_ متابعة

لو عدنا بمسرحنا العراقي الى تلك الفترة (نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات) ووجهنا اهتمامنا إلى حصة المرأة من هذا الشأن لوجدناها حصة تدعو لليأس.. وهذا العيب ليس مبعثه الفهم الخاطئ لرسالة المسرح فحسب إنما كان يعود إلى سببين: أولهما: ديني، والثاني: اجتماعي. والديني لا يعني أن نظرته للمسرح كثقافة وتهذيب وتربية وتنوير كانت قاصرة، إنما كان ينصب النقد آنذاك على المحتوى والهدف الذي يقلل من شأن الإنسان ويسقطه في متاهات الرذيلة، والدليل على ذلك هو المسرحيات التاريخية الدينية التي أثارت الحماسة وارتقت بمستوى السامع والمشاهد الى مراتب الأدب والجمال.

والمرأة في خضم هذين التيارين لم يكن لها أصلاً خيار كي تقف على ناصيته بجرأة وتحدٍ لتؤدي دوراً في مسرحية ما أمام جمهوري كان هو بالأصل يعيب على الخروج عن أطر المجتمع التقليدية الا بالقدر اليسير الذي توفر لها في مجالات الأدب الأخرى كالشعر والفنون التشكيلية بالرغم من محدودية هذه المشاركة بعكس ما كان المناخ يسمح للمرأة في بعض الأقطار العربية خاصة في مصر وسوريا ولبنان فبروز ممثلات ذات شأن في الحياة الفنية كأمينة رزق وفاطمة رشدي وروز اليوسف واسيا وماركويني وزينات صدقي وماري منيب على خشبات المسارح العربية قد أثار بعض الحمية والحماسة والفضول لدى البعض منهن في العراق ممن اعتبروا المشاركة أو الدخول الى معترك هذا الفن ليس كضرورة إنما لغايات شخصية قد تمنحهم الشهرة والمال.

فإذا كانت النظرة أو العمل المباشر او الصعود على خشبة المسرح ضيقة عندنا إن لم نقل متخلفة فان بقية الفنون التي شاركت بها المرأة لم تكن أوفر حظاً.

صحيح أن ساحة الفنانة النسوية على الساحة العراقية ظلت ضيقة بنسبة من خلال فنانات كانت لهن شهرتهن اللامعة وأثرهن الذي اثّر حتى في نوعية الطرب بعكس دورهن الضعيف في البدايات الاولى للسينما العراقية حيث التطوع للمساهمة في هذا الفن الجديد كان له أسبابه الشخصية ايضاً المتعددة الأغراض.

إن المخاوف والتردد والهلع الذي كان ينتاب الفنانة المطربة أو السينمائية خلق نوعاً من التلكؤ والتردد حتى لدى بعض الشابات ممن كن يمتلكن النزع اليسير من مقومات العمل المسرحي والسينمائي.

إن ما ساد من ضغوط عائلية واجتماعية لم يكبل المرأة العراقية بقيود الحصار والتقوقع بدليل بروز واحترام مهن متعددة كالطب والصيدلة والتعليم والمحاماة والتي فتحت آفاقاً رحبة أمام المرأة العراقية بينما ظل الباب موصداً أمامها للولوج في عالم الفنون إلا بالحدود اليسيرة وأخص بالذكر مهنة المسرح. ونحن على يقين انه لو أن مناخات المسرح العراقي انذاك المنهجية الصحيحة سواء بالدعم المادي والإعلامي وتجميل صورة الممثلة العراقية من خلال كثافة العروض وتوفر أماكن المسرح اللائقة وتعدد المجلات والصحف الفنية التي تتناول على الدوام أخبار المسرح والممثلين (خاصة بعد ظهور الفرق الأهلية التي جاهدت بإخلاص للحفاظ على سمعة الفنانة الممثلة) لاختلف الأمر ولانعكست ايجابياته وحسناته على مسارحنا في القرن الحادي والعشرين.

صحيح أن التأثير الاجتماعي كان أقوى من قدرات المرأة على أن تتمرد على جوّها العائلي والاجتماعي أن ترتقي خشبة المسرح دون خوف، أضف الى ذلك أن التمثيل في تلك الفترة وما صدر عنه من اجتهادات وتأويل بحجة انه (تشبيه للإنسان)، يحرم استنساخه او تقليده كما هو شأن الكثير من بعض الاجتهادات في بعض الدول التي كانت تحرم حتى رسم الإنسان سواء باللون أم مواد الصنعة النحتية مما اضطر رساموها وبالإكراه والضغط للجوء إلى عوالم الطبيعة أو ما شابهها.

من الطبيعي أن أي تحول حضاري وتحرري من شأنه أن يوفر أجواء أفضل للتعرف على رغبات وقدرات المرأة الإبداعية، والمرأة على مدار العصور هي في مقدمة من يدرك وبإحساس عالٍ قيمة التقدم وطعم الرفاهية خاصة عندما يقترن هذا الفهم العميق بثقافة مضافة من شأنها ان تحرك ذاكرة المرأة إلى الأحسن والأجمل بغية أن تنفرد مداركها بالطموح لتتحول في ما بعد الى طاقة متوهجة وفعالة في مجتمعها وبغياب الفهم والوعي الأكاديمي تلاشى دور اللواتي نظرن إلى دور المسرح بالوقت الحاضر على انه حرفة توفر المال والجاه والشهرة.

والى الحلقة الثانية التي نتناول فيها المرحلة الثانية منذ بداية الخمسينيات حتى بداية الستينيات حيث برز الدور المؤثر لمسرحنا من خلال الفرق الأهلية والفرق الرسمية (فرقة المسرح الفني الحديث) (فرقة المسرح الشعبي) (فرقة 14 تموز) (فرقة اتحاد الفنانين) (الفرقة القومية للتمثيل) والدور الفاعل للمرأة العراقية على المستوى الأكاديمي والمعرفي المؤثر في تطوير وازدهار الحركة المسرحية العراقية.

ظلت الفرق المسرحية مقيدة ومحددة باختيار النصوص المسرحية التي تخلو من العناصر النسائية، مما تضطر إدارة الفرقة والمخرج معنا إلى التحايل على النص نفسه وذلك بتحويل الشخصية (النسائية) الى شخصية (رجالة) وغالباً ما يحدث هذا التجاوز في الاجتهاد خلالاً في التعامل مع الشخوص الأساسية التي أرادها المؤلف الحقيقي.. ويذكر الفنان الراحل القدير يوسف العاني أن الفرقة التي كان يرأسها (فرقة المسرح الحديث) غالباً ما تمارس هذه الصفة كما حدث في مسرحية (تؤمر بيك).. وهذا الأمر كانت تمارسه أفضل وأرقى فرقة مسرحية آنذاك في العراق فكيف الحال مع الفرق الأهلية التي تعجز في أغلب الأوقات عن ممارسة حتى تغيير الشخوص بسبب التردد أو قصر نظر في الممارسة. حيث ان فرقة المسرح الحديث عندما تقدم على معالجة الأدوار النسائية كانت هناك لجنة من أفضل مثقفي ونقاد المسرح العراقي (دراماتورج) وذلك لتسهيل المهمة خاصة عندما تكون عاجلة.

إن محاولة كتاب المسرح على الدوام تجنب الإكثار من العناصر النسائية كان امراً طبيعياً بل وملزماً على الدوام ومن البديهي أن يظل هذا المعوق.. كابوساً للفرقة والمخرج معاً خاصة إذا كانت المسرحية اجتماعيةً تتناول قضايا العائلة والمجتمع، إذ من المضحك والعجب أن تخلو أي عائلة من أم أو أخت أو زوجة وقد تناولت بعض الفرق معالجة هذا النقص بالتحايل ايضاً.. فقام فنانون لهم شأنهم آنذاك بأداء الأدوار النسائية وأخص منهم بالذكر المرحوم عبد الجبار عباس (أم علي) والمرحوم سمير القاضي وكاتب المقالة نفسه عندما اضطرته الضرورة القصوى لأداء دور اميليا في مسرحية (في سبيل التاج) عام 1952، عندما كان طالباً في المرحلة الابتدائية، هكذا ظلت هذه الجهادية حتى مطلع الستينيات. إن هذا التحديد المعيب والشاذ أدى إلى أن يدور محور العرض على حالة واحدة أو اثنتين بدل من أن تدور أحداث النص على محاور عدة.. بالوقت الذي حظيت ساحة الفنون التشكيلية بحظ أوفر خاصة بعد اتساع وتعدد أقسام معهد الفنون الجميلة الذي كانت تضم أقسامه فروعاً للموسيقى والفنون التشكيلية بينما ظل المسرح يستجدي بصعوبة بالغة للعناية عناصره من هذه الأقسام كمن يصاعد الطائر وهو في الأعالي بمصيدة أطفال.

إن فرقة المسرح الفني الحديث – أو فرقة يوسف العاني – كما يعرفها الناس هي مرحلة حاسمة في تاريخ الفن المسرحي في كثير من الوجوه. وان يوسف العاني حدث مهم في بابه كما يذكر الدكتور علي جواد الطاهر في كتابه الموسوم (من حديث القصة والمسرحية) والحدث في رأيي يكمن في أن الفنان القدير يوسف العاني كان يتعامل مع ساحة اجتماعية واسعة مع عوائل ومعارف وأصدقاء وقدرة هائلة لتفسير معنى التطور في المسرح لما يملكه من ذكاء ودهاء وفطنة فأولت الفرقة اهتمامها للأدب العالمي، والذي كان جمهور المثقفين العطشى يجدون فيه ضالتهم في الاستمتاع فكانت مسرحية (الرجل الذي تزوج امرأة خرساء) و(الخال فانيا) وغيرهما العديد حدث هام قد شجع العناصر النسائية المثقفة والمدركة لأهمية وجلال المسرح فكانت ازادوهي صموئيل وزينب وناهدة الرماح أعمدة رصينة في فرقة المسرح الفني الحديث تبعتهن كل من سليمة خضير وزكية خليفة في مسرحية (النخلة والجيران) وفي هذا الصدد يذكر الدكتور الطاهر (لو كتب لك أن ترى زينب والرماح والزيدي يقصد زكية خليفة وسليمة خضير) لاستكثرت على نفسك أن تكون في العراق ولاستغربت أن تستطيع الممثلة العراقية أن تؤدي مثل هذه الأدوار الصعبة اجتماعياً وعلى هذا المستوى من الدقة والجرأة.

إن مكنونات المرأة العراقية هائلة وغنية إذا ما تفتحت أمامها نوافذ الحرية الشخصية.. وهذا الرأي تدعمه وقائع حقيقية في حياتنا الاجتماعية والسياسية، فلو عرجنا قليلاً على النشاط المدرسي في كلياتنا سواء في الخمسينات أو الستينات لأدركنا الاعتبار والتقدير الذي تكنه شاباتنا المتعلمات للمسرح.. صحيح أن الأجناس الأدبية المختلفة من قصة وشعر ورواية استطاعت أن تتطور على الصعيد الفني وان تجد لها اشكالها المتميزة، كما اتسعت دائرة انتشارها في ما بعد إلا أن المسرح للأسف ظل خلال هذه الفترة يراوح خجلاً أو استصغاراً عكس ما يفهم الآن لمحتواه ومدلولاته التربوية والنقدية ولو كان الإحساس بأهمية وخطورة وعظمة الفنون المسرحية بأشكالها الجميلة والمؤثرة قبل نصف قرن لكان الحال أفضل وأرقى بكثير؟

إذا كانت فرقة المسرح الفني الحديث هي البوابة الواسعة التي دخلت منها فنانات قديرات منذ البدء فان فرقة المسرح الشعبي كان جهاداً ينصب على البحث والبحث الدائم عن العنصر النسائي وكل عضو فيها يسوح في ساحات متعددة ليحظى بالعنصر النسائي الذي يرتقي إلى مستوى المعقولية المألوفة في المسرح سواء بالالتزام أو التقاليد وقد نجحوا في هذا المسعى عندما احتلت سيدتان مكانة مرموقة في فرقتهم ولكن هذا الاكتشاف لم يقتصر على سيدتين آثرتا السكون في بيتيهما إنما ظل البحث متواصلاً حتى يومنا هذا.

مقالات ذات صله