“بدون” … مغامرة مسرحية عراقية متكاملة تتحدث عن مأساة لاجئتين تتقاسمان القلق في أرض المنفى

بغداد_متابعة

عرضت مسرحية “بدون” باللغة الألمانية في مدينة مانهايم، على خشبة مسرح المعهد العالي للفنون «آلانوس»، وهي مقتبسة من مجموعة مسرحية قصيرة للكاتب العراقي ماجد الخطيب تحت عنوان «بدون ألمانيا»، في استعادة ضمنية لمصطلح «بدون» الذي يطلق عادة على المقيمين بدون أوراق رسمية في دولة الكويت.

أما «البدون» في المسرحية فهما «فائزة» و«ماريا»، امرأتان مهاجرتان في ألمانيا، تلتقيان صدفة في «بيت النساء»، حيث التجأتا هرباً من العنف الأسري. ورغم أن فائزة عربية الهوية وماريا شرق أوروبية، لكنهما تتشاركان المعاناة الجسدية والنفسية، وتجمعهما معاً الغربة عن المجتمع الألماني واللغة الألمانية، فتبدأ صداقة من نوع خاص بالتشكل بينهما، وتعثران على لغة للتخاطب، هي مزيج من ألمانية مكسرة وإنكليزية وحركات إيمائية، فأحياناً لا تحتاج وحدة الحال لكثير من الشرح، ولا يحتاج الألم إلى كثير من الكلام.

 أضاف المخرج رياض القزويني شخصية ثالثة للنص المسرحي، هي شخصية مديرة «بيت النساء» التي تلعب دور الراوية للحكاية أيضاً، ومعها تبدأ المسرحية حيث تظهر بداية وتهيئ الجمهور للدخول إلى عالم البطلتين، فتقول: «سنروي لكم حكاية، ولكنها ليست بحكاية»، في إشارة إلى أن الحكاية ما هي إلا يوميات لنساء حقيقيات، هن ضحايا لعنف مزدوج، عنف الزوج وعنف الاغتراب، ولكنها أيضا حكاياتهن بألسنتهن، حيث لا وجود للرجل على الخشبة، إلا بما تركته أصابعه من كدمات على أجساد هؤلاء النساء، ومن خوف على أرواحهن.

بعد أن تقدم المديرة الحكاية، وتعرب في اتصال هاتفي مع مفتش الشرطة عن عدم توفر أماكن شاغرة لديها لاستقبال المزيد من النساء الفارات من العنف الزوجي، تغادر المسرح وتتركه للبطلتين الرئيسيتين، اللتين تظهران بداية في عتمة حالكة، وفي يديهما هاتفاهما النقالان كمصدر إنارة وحيد، وكبطاقة تعارف أيضاً تعرض بها كل واحدة للأخرى ذاكرتها الرقمية، بكل ما فيها من صور شخصية وذكريات في أوطان بعيدة.

حيث نشهد هنا الصراع الأزلي بين الحب والصداقة، صداقة نشأت على عجل بين امرأتين، شردهما الرجل وجمعهما الهروب منه في مكان معزول، ليفرقهما من جديد حب الرجل والخوف منه أيضاُ.

وفي النهاية تحسم “ماريا” الموقف عندما تقف في وسط الخشبة معلنة أنها لن تخاف بعد اليوم، وعندما تغادر نسمع صوت طلقة.

وعندما تعود “ماريا” تكون مضرجة بالدماء، فتغفو بين يدي “فائزة” التي تهدهد موتها بأغنية “نامي يا صغيرة”، وتنتهي المسرحية بأغنية النوم تمامًا كما بدأت، نوم طويل بلا أحلام، ووجع أرواح معذبة تحمله أينما رحلت، ومجتمعات مستباحة تعيد إنتاج نفسها حتى لو غيرت جلدها، بصرف النظر إن كانت تلك المجتمعات شرق أوسطية أو شرق أوروبية، فكلاهما مجتمعات عاشت القمع والاضطهاد السياسي، الذي حتمًا سينتج قمعًا أسريًا ونفسيًا.

مقالات ذات صله