باعتبارها وصمة عار … أمراض نفسية خلـف الستارة مـن دون عـلاج!

بغداد_ متابعة

قادتنا الظروف الأمنية المتوترة في العاصمة بغداد الى الدخول والاحتماء بمستشفى الرشاد للأمراض العقلية والنفسية هرباً من الواقع الصعب الذي كنا جزء كبير منه , حيث أن الإصابة بالأمراض النفسية اختلفت في السنوات الاخيرة نوعاً ما بسبب الظروف الأمنية وما تعرض له العراقيون من صدمات كبيرة قادتهم الى الإصابة بالهستيريا أغلب الأحيان لكن كل ذلك بعيد عن عيادات الأطباء النفسانيين .

الصدمة كانت كبيرة عندما وقفت مذهولة لمشاهدة أناس ينزفون دماً ويهرعون من سيارة الأجرة (الكيا) الواقفة امام سيارتي التي تركت (محركها يعمل) من دون أن أعي ما فعلت وكيف نزلت ورميت نفسي على شخص لا أعرفه في الشارع وأصرخ بأعلى صوتي. هذا ما تحدثت به بشرى محمد موظفة تعاني من ازمة نفسية حسب ما ذكرت واستطعنا التكلم معها وحسب قولها لا تريد أن يعلم أي شخص بما تعانية من ألم ومرض نفسي يجعلها اغلب الأحيان بعيدة عن عائلتها لساعات طوال كلما تستعيد ذاكرتها شريط الانفجار الذي حدث امام عينيها قرب المسرح الوطني قبل اكثر من سنتين!

تذكر بشرى انها عادت الى البيت وكلما تحاول النوم تستيقظ عائلتها على صراخها وكل ما يفعلونه يقدمون لها المهدئات حتى تنام لفترة طويلة لكن تدهور حالتها الصحية جعلهم يعرضونها على طبيب باطني لم يستطع علاجها وبقيت الى وقت سرد قصتها تعيش في عالم منعزل بعد ان أصبحت جليسة البيت، لأن عائلتها لا تسمح لها بالخروج لوحدها خوفاً عليها وربما خوفاً من الفضيحة او ما شابه.

بينما حكاية إسراء تختلف كثيرا عن قصة بشرى لأنها فقدت فرصة اكمال الدراسة الجامعية بعد ان كانت من العشرة الأوائل في جامعة الموصل كلية القانون المرحلة الثانية وهي حالياً مصابة بمرض نفسي حسب تشخيص أحد الاطباء النفسانيين الذي عُرضت عليه لم يكن اللقاء صعباً مع إسراء بالعكس كانت تستجيب وتريد الحديث معنا عندما كنا نبحث عن عيادات الأطباء النفسانيين في منطقة الحارثية. والدتها رفضت الحديث وقالت (لا نريد الفضيحة) ولا حتى التكلم (البنيـّة مريضة مو مجنونة، وهي فقط تعاني من قلة النوم)، وبعد فترة وجيزة من الوقت حاولنا مع إسراء ووالدتها إذ تكلمت إسراء قائلة: إبان أحداث مدينة الموصل تركت مع عائلتي البيت وكل ما نملك وحملنا ما نستطيع حمله من ملابس في سيارة والدي الصغيرة وقدمنا الى بغداد وحاولت التسجيل في احدى الجامعات ببغداد لكن الوقت كان قد مضى ولم يسمح لي إلا أداء الامتحانات النهائية مع الدور الثالث، مضيفة: حصلت على معدل ونجحت الى الصف الثالث وحاليا جليسة البيت لا استطيع اكمال دراستي لأن المطلوب مني صحة صدور من جامعة كركوك الموقع البديل ووالدي رجل كبير في السن ولا يستطيع الذهاب والمخاطرة بحياته، منوِّهة: في الوقت ذاته أُعاني من اضطراب في النوم وأغلب الاحيان أفقد السيطرة على نفسي وأمسك الكتب او أي شيء وأبدأ بالصراخ الى ان أفقد الوعي الأمر الذي ترك أثراً آخر على عاتق عائلتي.

د. الاستشاري النفسي محمد القريشي قال إن هناك اكثر من (400) حالة ترقد في مستشفى الرشاد للامراض النفسية من الرجال والنساء، تماثلوا للشفاء التام وهذا حققه برنامج التأهيل المعد من قبل الكادر الطبي والمساعد الموجود في المستشفى، موضحاً: انهم مؤهلون إلى العودة والاختلاط بالمجتمع، متابعاً: هذه امكاناتنا بالعمل في الوقت الحاضر. واضاف القريشي : ان رفض ذوي المرضى استلامهم وعودتهم الى المنازل يكون لأسباب اغلب الاحيان شخصية او اجتماعية او مادية، بل وصل اغلب الاحيان الى سلب حقوقهم المادية من قبل الاشقاء وجعلهم يرفضون استلامهم!

وفي ما يخص التأثيرات الأمنية والتغييرات السياسية والاجتماعية التي طرأت وتأثيرها على الوضع النفسي أكــد القريشي: الظروف الأمنية والتغييرات كانت سبباً لإصابة اغلب النساء والرجال بحالات من الذعر والخوف لهذا نسمع ان هناك مرضى مع الأسف يلجأون الى العلاج الروحاني بدلا من الطبي لإبعاد الخوف عنهم، مستدركا: لكن هذا المرض مع الأسف يستمر ويتفاقم ويصل احياناً الى الاصابة بحالة من الهيجان العصبي، لافتاً: الى وجود العشرات من الحالات النفسية البعض منها يكون تصنيفها بسيطاً والأخرى معقدة والابتعاد عن علاجها النفسي يُسبب اغلب الاحيان الاصابة بالجنون والعزل عن المجتمع لهذا لابد من قبول فكرة العلاج عند المرضى وذويهم وإبعاد فكرة ان العلاج النفسي يُعــد معيباً بحق المريض.

أما حالة سعد فارس الذي تعرض الى الإصابة بنوع من الانهيار العصبي الذي جعل زوجته تطلب الطلاق منه بعد ان بدأت حالته تسبب الرعب والخوف لأولاده. أخذت حالة فارس تسوء اكثر واكثر فلم يعد السيطرة على حركات يده وان يقف بصورة معتدلة فالقلق يسيطر على أعصابه بشكل يثير انتباه الآخرين ويسرد أخوه أبو مصطفى حكايته قائلا: كان يعمل سائق شاحنة على طريق بغداد- الرمادي تعرض الى الاختطاف ومن ثم التعذيب بأبشع الطرق وتُرك ينزف في بيت قديم، مضيفا: حتى تم انقاذ حياته وهو فاقد الوعي وحين أفاق وجد نفسه في مستشفى الفلوجة العام.

وتابع أبو مصطفى: عندما عاد الى البيت لم يكن يعلم ما يحدث وكان يفتح الباب ويركض في الشوارع ويصرخ حتى يقوم الناس بالسيطرة عليه وإعادته الى البيت، موضحا: ان زوجته لم تستطع الاستمرار معه ، طلبت الطلاق وأخذت أولادها ورحلت وكما ترئين الآن يعيش معي وهو الآن يتماثل للعلاج اذ تحسنت حالته النفسية كثيرا وأخذ يذكر اسماء أولاده وأعمارهم.

المستشار الوطني للصحة النفسية الدكتور عماد عبدالرزاق ذكر أن الامراض النفسية تحتاج عناية وعلاجاً خاصاً يعتمد على استجابة الفرد لمراحل العلاج ومساعدة الاشخاص المحيطين بالمريض، موضحا: ان مظاهر المرض تتَمثــــّلُ في انتشارِ أعراض القلق والكآبة والإحباط لدى الأفراد بشكلٍ عام قبل أن تتحوّل عند البعض الآخر إلى أعراض جسمانية.

واشار عبدالرزاق: هناك مرضى نفسانيون كثيرون يزداد عددهم بسبب الأحداث التي يمر بها البلد والتي اثرت كثيرا على الواقع الاجتماعي والنفسي للفرد العراقي، منوهاً: ان الكثير من هذه الامراض ناتج من التعرض الى مشاهدة حوادث تفجير مروعة او قتل احد افراد العائلة امام أعين ذويه او فقدان الدار والعائلة بسبب التهجير، والكثير من الاحداث التي تؤدي في اغلب الاحيان الى الانعزال والعيش بعيدا عن الناس المحيطين بـه.

وبشأن مراكز العلاج وكيفية التعامل مع هكذا حالات قال مستشار الصحة النفسية: توجد مراكز نفسية طبية كثيرة لعلاج المرضى وعلاجات طبية حديثة فضلا عن مستشفى ابن رشد والرشاد للعلاج والطب النفسي فيها اطباء اكفاء وعلاجات جيدة تساعد المريض على تجاوز الازمة النفسية، مستدركا: لكن مع الاسف لا زالت نظرة المجتمع الى المرض النفسي كأنه اصابة بالجنون! مضيفا: في الفترة الاخيرة وبكل صراحة زادت الامراض النفسية موضحا: ان هناك حالات تشفى بسرعة وبسهولة في حالة التشخيص الصحيح.

يقول الطبيب الاميركي كاندل استاذ الكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية من جامعة كولومبيا والحائز على جائزة نوبل لدراسة الأسس الجزئية للذاكرة: إن الاصابة بالامراض النفسية تحسنت مع ارتفاع وتحسن معايير التشخيص، اما في العراق فيقول احد الاطباء ان العلاج ما زال بدائياً. وذكرت منظمة الصحة العالمية أن ستة ملايين عراقي مصابون بامراض نفسية جراء الحرب، ويعاني العراقيون أمراضا نفسية، معظمها نتيجة الحروب وسنوات الاقتتال الطائفي ومشاهد العنف، وضلوع المرضى في أحداث ولــَّدت لديهم حالات، يرفض كثيرون منهم الاعتراف بوجودها، ويعزفون عن معالجتها بسبب ثقافة العيب إلا ان اغلب أمراضهم العقلية والنفسية ناجمة من تأثيرات الحروب. واشارت نتائج إحصاء علمي اُجري للأمراض النفسية في العراق عام 2006 بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، إلى أن نسبة الأمراض النفسية في البلاد بلغت 18.6 بالمائة فاذا احتسبنا عدد نفوس العراقيين آنذاك (32 مليونا) فان نسبة المصابين بالامراض النفسيه (6 ملايين) ولو اخذنا المصابين منهم بـ (بفصام العقل) وهم حسب النسب العالمية 0.85 بالمائة فسيكون رقما مفزعا ثلاثمائة الف مريض بفصام العقل، فضلا عن ما لا يقل عن 40% من المراجعين للمستشفيات والمراكز الصحية والعيادات الخاصة هم بالأساس يعانون من مرض نفسي لا يرغبون بالبوح به او يظهر على شكل أعراض جسمانية متعددة.

مقالات ذات صله