باتريك زوسكيند .. يكتب عن وحدة الإنسان ويحب العزلة

بغداد_ متابعة

“باتريك زوسكيند” روائي ألماني، وكاتب سيناريو، ومسرحي، ومترجم،  ولد “زوسكيند” في مدينة “أمباخ” في منطقة جبال الألب في الجنوب الألماني، كان والده “فيلهلم إيمانويل زوسكيند” كاتبا ومترجما و أخوه الأكبر “مارتين زوسكيند” كان صحفيا.

درس”زوسكيند” التاريخ في جامعة “ميونخ”, من 1968 حتى 1974، عمل في مهن هامشية، بدأ كتابة القصص القصيرة وهو طالب في المدرسة الثانوية، ثم اتجه لكتابة سيناريوهات الأفلام السينمائية.

رغم شهرته الكبيرة يفضل “زوسكيند” الانعزال عن الناس، فهو يرفض إجراء حوارات صحفية أو تليفزيونية، كما رفض بعض الجوائز التي فاز بها، ولا أحد يعرف أين يسكن أو أية معلومات عن حياته الشخصية، وحين يريد أن يراسله أحد تصل الرسائل إلى عنوان دار النشر التي يتعامل معها “دار ديوغنيس السويسرية”، حتى أنه لا يوجد له سوى صورتين له في وسائل الإعلام، كما رفض حضور حفل افتتاح فيلم “العطر” المأخوذ عن روايته الشهيرة، وهو يعيش حاليا ما بين “ميونخ” و”باريس” ويتفرغ للكتابة.

كتب “زوسكيند” عدة قصص قصيرة وسيناريوهات لأفلام لكنها لم تلق نجاحا، وبدأت شهرته في 1981, حين أصدر قصة بعنوان “عازف الكونترباس” عرضت فيما بعد في مسرحية “عازف الكونترباس” وهي عبارة عن مونودراما من فصل واحد, وقد عرضت في الموسم المسرحي لعامي 1984-1985 أكثر من 500 عرض, وتعتبر بذلك أكثر المسرحيات عرضا في تاريخ المسرح الألماني, ومن أهم المسرحيات في المسرح العالمي. وتدور حول عازف كونترباس محبط ووحيد، يلوم حظه لأنه بعيد عن الأضواء، ويكره الآلة التي يعزف عليها لأنها لا تسهل له النجاح، وفي نفس الوقت يحبها ويحب العزف عليها، وفي ذروه سخطه على حياته يقرر إفساد حفل كبير يشترك فيه كعازف، ويديره مايسترو شهير ويحضره زوار كبار وبالفعل يصرخ وسط العرض.

يعتبر” زوسكيند” واحدا من أشهر الروائيين في العالم وتحوز كتبه على نسبة مبيعات عالية، ورغم ذلك فإن أعماله قليلة جدا وحتى أنها قليلة في الحجم.

آخر كتاب أصدره “زوسكيند”، “الحب والموت” بعد عدة سنوات من الامتناع عن النشر، الكتاب يعد مفاجأة لقرائه، لأنه خرج عن إطار الكتابة السردية حيث يحمل الكتاب طابع الدراسات الأدبية، والسر وراء هذا الكتاب أن المخرج الألماني “هيلموت ديتل” طلب من “زوسكيند” كتابة سيناريو لفيلم سينمائي عنوانه “في البحث عن الحب واكتشافه” يكون اقتباس عن أسطورة “أورفي وأوريديس” الإغريقية، وقد استهوى “زوسكيند” البحث في موضوع الحب، خاصة أنه أخذ يقلب في الكتب الكثيرة، وقد أنتج الفيلم في 2005، وانشغل بعدها “زوسكيند” بسؤال “ما الذي يجعل الحبّ مرتبطا أشد الارتباط بالموت في الأدب منذ العصر القديم إلى يومنا هذا؟” وكان هذا السؤال بداية سعيه لعمل كتابه”عن الحبّ والموت” والذي يعتبر دراسة عن “الأيروس” و”التاناتوس” “أو “الحب والموت”، في معناهما الإغريقي. وقد تناول” زوسكيند” في كتابه موضوع الحب من منظور ناقد وساخر إذ يقول: “يبدو أن الحبّ يحتوي على أمر ملغز، أمر لا يمكننا معرفته بدقة وعلى نحو كاف”.

ينقسم كتاب “عن الحب والموت” إلى قسمين: 1- قسم يتناول الحب، و2-قسم ثان يتناول الموت في علاقته بالحب، وفي منتصف الكتاب، يستشهد “زوسكيند” بقول شهير للروائي الفرنسي “ستندال”: “الحبّ الحقيقي يجعل فكرة الموت متواترة، وسهلة، ودون رعب، أي مجرد أداة للمقارنة”، ويتنقل “زوسكيند” عبر الزمان والمكان، ويعرض آراء أبرز من تناول فكرة الحب والموت من كتّاب وفلاسفة وشعراء مثل: نوفاليس، بودلير، غوته، كلايست، سقراط، افلاطون، ستندال، أوسكار وايلد، الماركيز دي ساد. يقول زوسكيند: “تحلّ الفظاعة محلّ الاهتمام، عندما يرتمي إيروس بعنف في أحضان تاناتوس حتى يبدو وكأنه يريد أن ينصهر فيه”.

منذ منتصف الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات أصبح “زوسكيند” كاتبا شهيرا، وكان القراء يقبلون على كتبه التي تحتل فور نشرها الصدارة على قائمة المبيعات، في 1985 نشر “زوسكيند” عمله الثاني رواية “العطر”، وحققت نجاحا أكبر بكثير من ” عازف الكونتراباس”، بعد “العطر” نشر “زوسكيند” قصتين طويلتين، الأولى بعنوان “الحمامة”، والثانية بعنوان “حكاية السيد زومر”، عدا ذلك لم ينشر “زوسكيند” إلا ثلاث قصص قصيرة بعنوان “هوس العمق”، ثم صمت منذ مطلع التسعينات وحتى اليوم.

وهو يحترف كتابة الأدب الجاد الشيق والمثير، ويبتعد عن الموضوعات التي تمس التاريخ المعاصر أو تتقاطع مع السيرة الذاتية وهمومها وشكاواها، على النقيض من القسم الأعظم من كتاب ألمانيا وقت ظهور أعمال “زوسكيند”. كما يتميز بابتعاده التام عن التدخل في الحياة العامة أو في السياسة، وعدم سماحه لأحد بأن يتدخل في حياته، لا من قريب ولا من بعيد، ولا حتى من أجل الدعاية لأدبه، كما اشترك “زوسكيند” في كتابة العديد من المسلسلات التلفزيونية, والأفلام مثل “عن البحث عن الحب وإيجاده”.

في حين حققت رواية “العطر” فور نشرها نجاحا كبيرا، وباعت خلال عام واحد نصف مليون نسخة، وبلغت مبيعاتها حتى اليوم أكثر من خمسة عشر مليون نسخة، تحولت لفيلم أنتج في 2006، و رغم براعة ممثليه “داستن هوفمان” و”بن ويشاو”، وبراعة مخرجه الألماني “توم تيكفير” إلا أن الفيلم لم يكن في مستوى الرواية وتميزها ولم ينقل روح النص وفرادته وتصويره لعالم الروائح ودهشتها.

بطل الرواية “جان باتيست غرنوي” فتى فقير ولد لأم تبيع السمك وتقتل أطفالها بدماء باردة بإلقائهم في مخلفات تنظيف السمك، لكنه هو الوحيد الذي ظل حيا وكان شؤما على أمه، التي قبض عليها وأعدمت بسبب قتلها لأطفالها، ثم تنقل بين الناس وكانوا ينفرون منه لأنه ليس له رائحة، كما أن حاسة الشم لديه كانت خارقة، ثم عمل لدى أحد أشهر العطارين وبائعي العطور، وساعده في صنع أنواع جديدة من العطور، ثم أسرته رائحة فتاة في أحد الأيام وكانت بداية لتحوله لقاتل غريب الأطوار، حيث قتل 25 فتاة فقط ليستخلص روائحهم ويصنع عطر مميز للمرأة،  تعد رواية العطر أشهر أعمال “زوسكيند”, وقد ترجمت إلى حوالي 46 لغة من ضمنها العربية التي ترجمها الناقد السوري “نبيل الحفار”, وبيع منها ما يقرب من 15 مليون نسخة حول العالم.

قال “زوسكيند” عن بطل رواية العطر: “إذا كان اسمه اليوم قد طواه النسيان، على نقيض أسماء نوابغ أوغاد آخرين، مثل دوساد، سان جوست، فوشيه أو بونابرتو غيرهم، فذلك بالتأكيد ليس نتيجة أن غرنوي بمقارنته مع هؤلاء الرجال المريبين الأكثر شهرة، يقل عنهم تعاليا أو احتقارا للبشر و لا أخلاقية، باختصار، كفرا، و إنما لأن عبقريته و طموحه قد انحصرا في ميدان لا يخلف وراءه أثرا في التاريخ أي في ملكوت الروائح الزائل”.

اما رواية حكاية السيد زومر التي ترجمها إلى العربية الناقد السوري “نبيل الحفار” وصدرت حديثاً عن دار المدى، وهي قصّة طويلة تقع في حوالي ثمانين صفحة من القطع المتوسط، بها رسوم ترافق النصّ، ورغم أن الرواية تشير في عنوانها إلى حكاية السيد زومر إلا أن الراوي لا يحكي عنه بما يكفي، فهو رجل تجاوز الأربعين، ينشغل بالحكي عن نفسه فيرجع إلى فترة طفولته حين كان طفل في الثامنة، يحكي عن هموم طفل في إحدى قرى الريف الألماني، كل ما يشغله تسلق الأشجار واللعب في المنطقة الجبلية التي تحيط بمنزله، والذهاب إلى المدرسة، وتجاوز قسوة معلمة البيانو التي يذهب إليها بشكل يومي، وتثقل عليه بتعليمه دروسا صعبة، كما أنها تدخل في نوبات غضب تخيفه، وخلال حكيه يذكر عرضا السيد زومر، رجل يمشي كثيرا يقطع مسافات طويلة طوال اليوم، يظل يسير حوالي 14 ساعة في اليوم، والراوي لا يعرف شيئا عن السيد زومر ولا يهتم، ثم يحكي عن مراهقته وانشغاله بأمور الشباب في ذلك الوقت، ويذكر عرضا أيضا أنه رأي السيد زومر في أحد الأيام وهو يتأوه ويصرخ عاليا في وسط الأشجار، ثم مرة أخرى رآه وهو يغرق نفسه في البحيرة.

ربما أراد “زوسكيند” أن يعطي للقارئ إحساسا بأن السيد زومر كان شخصا منبوذا اجتماعيا، لم يهتم به أحد ولم يفتقده أحد وحتى بعد موته لم ينشغل به سوى صاحبه الغرفة التي يستأجرها بسبب أنه يدفع لها، وكأن الراوي بتجاهله للسيد زومر وحكيه الطفيف عنه يؤكد على أن السيد زومر شخص لا يهم أحدا، رغم أن الناس انشغلت به في بداية ظهوره في البلدة وأخذوا يفسرون مشيه الكثير بأنه مرض رهاب الأماكن المغلقة لكن لا أحد حاول التقرب منه أو مساعدته أو فهم ما يجري له.

يكتب “زوسكيند” عن الأفراد الذين يعانون من الوحدة، هؤلاء الذين لا يستطيعون عمل علاقات اجتماعية ناجحة، هم متوحدون وغريبوا الأطوار ويعانون من أمراض غريبة، لكن ما يجمعهم هو الوحدة والانعزال والابتعاد عن الناس، لذا تنشغل كتاباته بالأمور الداخلية لهؤلاء الأبطال، إحساسهم بالعالم المحيط وتوحدهم مع عزلتهم أو كراهيتها.

 

مقالات ذات صله