النسيان.. «مرض العصر» يتسبب بمواقف محرجة

بغداد_ متابعة

بعد مضي أكثر من ساعة، تنبهت السيدة  أم رائد”32” سنة ،لعدم وجود ابنتها الرضيعة حولها، عندما كانت في زيارة لعائلتها برفقة أبنائها الصغار، بينما قضت الطفلة هذا الوقت غافية على كرسي السيارة.

تقول الأم “عند خروجنا للزيارة طلبت ابنتي الكبرى (8 سنوات) احتضانها وكان لها ذلك، وعند وصولنا نزل الجميع متلهفين للقاء الأحبة، وبعد السلام جلسنا وبدأنا الحديث ومن ثم تناول الإفطار، فجأة، تذكرت وسألت عن ابنتي، واعتدت أن تكون بين الأيادي لمناكفتها واللعب معها، لكن هذه المرة لم ألمحها، وبدأنا البحث وصولا للسيارة التي مكثت بها وقتا طويلا”.

تضيف أم رائد “لم أصدق ما جرى في هذا اليوم، وشعرت باستياء وألم كبيرين، بأنني استطعت نسيان طفلتي الغالية”، متابعة “لا أنكر أنني أتعرض للعديد من المواقف المحرجة بسبب النسيان، لكن أن أنسى ابنتي، فهو أمر مقلق جدا”.

ويبدو أن الاتهام الأول يرمى على الزمن بأنه السبب بتردي كثير من أمور الحياة والناس وأن همومه جلبت كثيراً من الآفات ومن أبرزها النسيان؛ حيث يكاد كثير من الناس يشتكون من هذه المسألة التي قد توقعهم في مواقف محرجة كثيرة، ولم يعد هناك فرق كبير بين الرجال والنساء حيث يصرخ الاثنان بأنهما سيصلان لمرحلة نسيان كل شيء، وبعدما كانت كلمة (نسيت شنو تعشيت البارحه) تقال من باب التظاهر بأهمية قائلها وكثرة المشاغل، أصبحت اليوم لا تقال ولكنها تحدث فعلا، إنه حقا “مرض العصر.”

وللسيد أبو مهند”مقاول” قصة من النسيان؛ إذ يقول “من شدة الأفكار التي تتوارد على ذهني وتزاحمها، أجد نفسي أنسى كثيرا”، متابعا “كثيرا ما أخطط لمواعيد واجتماعات في مكتبي لأكتشف أنني أعطيت لثلاثة أو أربعة أشخاص الموعد في الوقت ذاته، من دون تركيز، ما سبب لي الكثير من الإحراج”.

ويلفت إلى أن النسيان يضعه في مواقف محرجة، خصوصا أنه ينسى الأسماء والوجوه، مع أشخاص يفترض أنه تربطه بهم علاقة جيدة، فضلا عن نسيانه أحيانا المكان الذي ينوي الذهاب اليه وهو يقود مركبته.

وفي هذا السياق، يبين الاختصاصي النفسي د. خليل العبيدي ، أن النسيان الذي يشتكي منه الناس مؤخرا، ناتج عن انشغال الذهن بكل صغيرة وكبيرة تدور حوله، فكثير جداً من الناس أصبحوا منشغلين فارغين، فإذا لم يكن الإنسان يمر بحالة معينة تستدعي انشغال الذهن مثل المرض أو خسارة مادية أو حياة مهددة بالانهيار وليست لديه مشاكل عضوية ويعاني من نسيان حاد، فهذه مشكلة حقيقية في الغالب يكون الوضع النفسي هو السبب، والدليل عندما تجد شخصاً سعيداً ومرتاحاً تجد ذاكرته جيدة ونسيانه طبيعيا.

ويضيف “لذا على الشخص الذي يشكو من النسيان الذي قد يوقعه في إحراج أو مشاكل مع من حوله أن يعالج نفسه نفسيا، وأن يساعدها من خلال التعاطي مع الأمور التي حوله بهدوء وحكمة؛ فقلقه وتفكيره وما يصاحبهما من ترد في الوضع النفسي لن تغير في الواقع شيئا، بل على العكس قد تتسبب في تشويش تفكيره بالشكل الصحيح، علاوة على إصابته بعوارض نفسية مختلفة تؤثر على حياته سلبيا”.

وينصح، بالاطلاع على كل ما من شأنه تقوية الذاكرة مثل الأطعمة والتمارين الذهنية وغيرها.

وتقول الموظفة هناء السعدي (28 عاما) “لدي كثير من المشاكل في حياتي رغم أني حديثة الزواج، هذه المشاكل جعلت ذهني دائم الانشغال فلا يهدأ، لذا أضطر بعملي أن أكتب كل صغيرة وكبيرة يجب عليّ أن أعملها ولا أعتمد على ذاكرتي”.

وتتابع “غير أنني أنسى أين وضعت الورقة المسجل فيها المعلومات أيضا، وأحيانا أنسى أني سجلت ملحوظات يجب أن أرجع لها، وفي كل مرة أكتشف نسياني لأمر معين أشعر بضغط نفسي كبير يعكر مزاجي طوال اليوم”.

أما ربة المنزل فاطمة عبدالله (34 عاما) فقد سبب لها النسيان كثيرا من المشاكل خاصة مع زوجها الذي يحاول أن يستغل هذا الأمر ضدها، وتقول “مثلا قد يفتعل مشكلة ما على أثر أنه طلب مني أمرا معينا، ولم أنجزه بسبب نسياني المتكرر”.

وتضيف “حقيقة لا أكره شيئاً في حياتي قدر كرهي وبغضي لكلمة النسيان، وقد يكون كثر المشاكل سببا في زيادة النسيان”.

وتبين اختصاصية التغذية د. ربى العباسي، أهمية تناول الطعام الصحي، والذي يساعد على تقوية الذاكرة مثل الأطعمة التي تحتوي على البروتين مثل البيض، اللحوم، الفول، أو الأطعمة التي تحتوي على دهون أوميجا 3، مثل الأسماك الزيتية مثل السلمون أو التونا، والمكسرات مثل (اللوز النيئ، جوز القلب وغيرها) بمقدار فنجان في اليوم.

وتوضح أن الفواكه الملونة تساعد على إيصال الأكسجين للدماغ بشكل جيد، وأيضا الأغذية الغنية بفيتامين B12 (مثل الكبدة) مناسبة وتدعم الذاكرة، وأيضا شرب الماء بشكل كاف يوميا ومشروبات الأعشاب (مثل الزعتر) له دور كبير في تنشيط الذاكرة.وتنصح العباسي من يعانون (فقدان الذاكرة قصيرة المدى) بضرورة عمل فحص مخبري يوضح النقص لديهم وإمكانية علاجه، فهنالك بعض الحالات لا تكفي الأطعمة الصحية لعلاجها، بل تستدعي صرف الأدوية، ومتابعتها بعد ثلاثة أشهر للتأكد من امتصاص الجسم لها وفاعليتها.

وفي السياق ذاته، يؤكد الاختصاصي الاجتماعي د. حسين الخزاعي، أن كثرة المشاكل وتراكمها وتضاربها تسبب حدوث النسيان، ويعلل ذلك بأن واحدة من هذه المشاكل ستتغلب على الأخرى.ويلفت الخزاعي إلى أننا في الوطن العربي لم نعتد بعد على إدارة الوقت، وهذا ما يجعل كثيرا من مواعيدنا تتضارب مع بعضها بعضا، ما يقود في النهاية إلى إغفال ونسيان جزء منها.

وينسب النسيان الشائع بين الناس هذه الأيام، ، إلى “كثرة الأعباء الاقتصادية التي تغلبت على الحياة الاجتماعية، حتى أن الواحد منا أصبح في ظل الضغوطات المتزايدة يتمنى النسيان ويطلبه”.

 

مقالات ذات صله