اخــر الاخــبار

الندّافة… مهنة عراقية اكتسحتها البضائع الصينية وفقدت بريقها

يشهد العراق انقراض العديد من المهن وتحوّل أصحابها إلى عاطلين عن العمل، نتيجة عدم مواكبتهم التطور التكنولوجي، بالإضافة إلى إغراق السوق العراقية بالمنتجات المستوردة وفقدان الحماية من قبل الدولة.
ويقول بائع الأواني في سوق الصفافير، محمد الصفار، إن “العديد من المحلات الخاصة ببيع الأواني المصنّعة محلياً أغلقت بسبب سيطرة المستوردين على السوق”، مضيفاً أن “مئات المحلات كانت تبيع الأواني المحلية المنقوش عليها بالنحاس في العراق لكن انحصرت اليوم إلى عشرة محلات تقريباً”.
ويؤكد أن “مهنة الصفّارة (الصناعات النحاسية)، تتجه إلى الانقراض، بعدما اكتسحت الصناعة الصينية ذات الجودة الضعيفة جداً سوق الأواني، وجعلتنا نهجر أعمالنا، بعد قيام التجار ضعفاء النفوس باستنساخ أعمالنا في المعامل الصينية وطرحها في السوق بأسعار رخيصة، مقارنة بأعمالنا التي تمتاز بالجودة”. ويتابع أن “بعض دول الخليج العربي ما زالت تشتري أعمالنا ولكن بنسب قليلة جداً مثل الأواني النحاسية ودلال القهوة”.
من جهة أخرى، تحوّل حسن عباس، الذي يعمل في مهنة “الندافة” إلى عاطل عن العمل بعد إغلاق محله لعدم قدرته على تغطية المتطلبات المالية لعائلته.
“الندافة” (نفش القطن)، مهنة تراثية كانت رائجة في السنوات الماضية، خاصة في صناعة الأفرشة القطنية والوسادة واللحاف.
ويقول عباس، إن “مهنة الندافة كانت تعتبر قبل عام 2003 من المهن التي تحقق إيراداً جيداً، بسبب الإقبال الكبير عليها من قبل الناس، لكن اليوم بدأت تنقرض نتيجة دخول الأفرشة والأغطية المستوردة”، مضيفاً أن “أغلب العاملين في هذه المهنة تركوها، وتوجهوا نحو مهن أخرى أو تحولوا إلى عاطلين عن العمل”.
ويوضح أن “المفروشات الإيرانية والتركية والصينية حدّت من أعمالنا، بينما الدولة بقيت متفرجة على معاناتنا دون اتخاذ أي قرار يحمي مهنتنا”.
ويلفت إلى أن “ارتفاع تكاليف المعيشة في العراق خلال الفترة الحالية وعدم قدرتي على سداد الإيجار الشهري للمحل، جعلني أغلق المحل والتوجه نحو عمل آخر، لكنني أصبحت اليوم عاطلاً عن العمل بعد فشلي في العمل الجديد”.
كما اندثرت العديد من المهن مثل ساعي البريد وتجليد الكتب والفرفوري (الأواني الفخارية) وحياكة الألبسة والأفرشة وغيرها من المهن نتيجة التطور التكنولوجي.
في السياق نفسه، يقول الخبير الاقتصادي، سلام عادل، إن “العديد من العراقيين فقدوا وظائفهم وتحولوا إلى عاطلين عن العمل نتيجة عدم وجود قوانين تنظم عمل السوق وتحمي المنتج المحلي”، مشيراً إلى أن “هناك العشرات من المهن اندثرت بسبب التسهيلات التي تمنحها الدولة للمستوردين”.
ويلفت إلى أن “الدولة العراقية لا تهتم بحقوق مواطنيها، ولا يضرها إن زادت البطالة أو نقصت لوجود مسؤولين فاسدين يتبوؤون مناصب مهمة”، مبيّناً أن “المهن المندثرة في العراق لو كانت في إحدى الدول الأجنبية أو العربية لأصبحت تحقّق اليوم مورداً اقتصادياً مهماً وتستخدم كعامل جذب للسيّاح”.
من جهة أخرى، يقول الخبير الاقتصادي، علي الصيهود السوداني، إن “العديد من المهن اندثرت، وستندثر في الأيام المقبلة مهن أخرى نتيجة عدم وجود حماية لها من قبل الدولة”، مشيراً إلى أن “المهن المندثرة لا تستطيع منافسة المنتجات الأجنبية قليلة الجودة وزهيدة الثمن”.
ويضيف أن “حماية المهن القديمة لا تخالف الاتفاقيات التي أبرمها العراق مع المنظمات العالمية”، داعياً الدولة العراقية إلى “إعفاء أصحاب المهن المندثرة من الضرائب وتوفير المواد الأولية التي يحتاجونها لأن تكلفتها أصبحت غالية”.
ويطالب الدولة العراقية بإنشاء سوق قرب الأهوار جنوبي البلاد خاص بالمهن المندثرة من أجل تفعيلها، لافتاً إلى أن “سوق العمل في العراق سيتمركز حول قطاع الخدمات، لأن هناك تراجعاً كبيراً جداً في القطاع الصناعي والحرفي”.
من جانبه، يقول المختص في المهن المندثرة، مجيد الملا حميد، إن “الدولة تقف وراء اختفاء العديد من المهن وتدمير الأسواق التراثية في بغداد”، مشيراً إلى أن “المواطنين بدؤوا يفضلون شراء المواد المستوردة بدلاً من الصناعة المحلية، لأسباب عديدة، من بينها الفارق في الأسعار”.
ويشير إلى أن “سوق الصفارين، التي تعتبر من الأماكن السياحية في بغداد، تحولت اليوم إلى سوق لبيع الأقمشة المستوردة، وبدأنا نخسر مهنة الصفارة في البلاد بالرغم من أنها من ضمن تراثنا، وتشغل آلاف العائلات”.

مقالات ذات صله