المكتوب مبيّن من عنوانه” … أدباء ندموا على عناوين كتبهم

بغداد _ متابعة

هناك ما لا تستطيع تداركه بمجرد أن تقوله، مهما أعدت النظر، ومهما أحاطك الندم. هكذا عناوين الكتب، كبعض الكلام وأسماء المواليد. البعض، للضرورة القصوى وفي حالات قليلة، يغير اسمه في الأوراق الرسمية، بينما أغلب البشر لا يفعلون، على الرغم من أهليتهم.

العنوان، كعتبة أولى للنص، كفيل بأن يجعلك، “كقارئ”، يتجول في مكتبة من دون خطة، تمد يدك إلى كتاب على الرفّ، أو لا. أو أن يضعك كـ”كاتب” أمام تلقٍ معين لما كتبته، تلقٍ قرائيٍّ أو حتى نقدي. قليلون يرون أن الأمر لا يستحق إعطاءه أكبر من حجمه، غير أن الكثير من الكتاب يحتار، والكثير منهم، أيضًا، يندم، ولكن بعد فوات الأوان، عندما يكون العمل خرج من المطبعة بعنوان “غير مريح”.

هناك سحر في بعض عناوين الأعمال الأدبية المترجمة، حيث يحتفظ العنوان بألقه أو شعريته رغم انتقاله من لُغة إلى أخرى. العنوان من صُنع الكاتب، لكن بعض العناوين كانت من التوفيق بحيث خلدت أصحابها، لدرجة أوصلت بعض الكُتّاب إلى عقدة الخوف من ألا يستطيع تجاوز عنوان “وضعه بنفسه” إلى آخر بسبب ما تحقق من نجاح لهذا العنوان. الأمر ليس تحصيلًا حاصلاً. أسماء البشر ترافقهم حتى الموت، وأسماء الكتب سترافقها إلى الأبد.

هنا شهادات لعدد من الكُتّاب العرب. حكايات شيّقة، ووجهات نظر متباينة.

سعيد الكفراوي: مدينة الموت الجميل

جمعت ما كتبته من قصص، في زمن الستينيات البهيج في كتاب، عنونته “مدينة الموت الجميل”. كانت القصص كلها تشبه فصولًا في نص روائي، وتحمل معنى عن الفقد والمصير. عند صدورها قابلها طيب الذكر الراحل الروائي والإنسان علاء الديب بحفاوة سرّت نفسي، في بابه الأشهر، “عصير الكتب”. يومها ذكر أن هذه الكتابة، عبر نصوصها، تنشغل بالحفاظ على ذاكرة يتهددها الفناء، ويشارك كاتب هذه القصص الشاعر محمد عفيفي مطر، في الانشغال بتجسيد ذلك المعنى. ثم ألقى الديب سؤاله: “هو يا عم سعيد فيه موت جميل وموت قبيح؟”. كان غير راضٍ عن العنوان.
أربكتني ملاحظة علاء، وراجعت العنوان، وأخذت أردده بيني وبين نفسي مندهشًا. كيف فات علي الأمر؟ وأخذت أراجع عناوين القصص. “قمر معلق فوق الماء”، “الجواد للصبي.. الجواد للموت”، “سنوات الفصول الأربعة”، “صندوق الدنيا”.. إلخ. ما الذي ألقى بك ناحية هذا العنوان؟
مشاعر من قلق انتابتني بسبب ملاحظة علاء الديب. استخرت الله، وعزمت على تغيير العنوان في الطبعة الثانية، إن حدث، وطبعت المجموعة طبعة ثانية، لكي أتخلص من هذا الثقل بداخلي بسبب من تلك الملاحظة.
وجاءت الطبعة الثانية، والثالثة، ثم نشرت المجموعة ضمن ست مجموعات في مجلد واحد، ولم يتغير العنوان. ظل يثير في نفسي الريبة، لكنه لا يتغير أبدًا: “مدينة الموت الجميل”. يحمل الإحساس بالزمن والرحيل، ويمثل ذلك الصوت الذي يأتي عبر الآماد البعيدة مثل نقر على طبل في فضاء ليلي.. يا للعجب!
عزت القمحاوي: أندم دون مغالاة

إجمالاً أنا قليل الندم على عنوان نشرته، لأنني لا أدخر جهدًا أو أسرق وقتًا من كتبي وعناوينها، فما يصدر أرضى عنه باعتباره أقصى ما استطعته. وعادة ما أستشير الأصدقاء قبل النشر. لكن للمصادفة البحتة فإنني غير راضٍ عن عنوان مجموعتي القصصية الأولى “حدث في بلاد التراب والطين” وأراه ثقيلاً، وينطوي على نزوع مأساوي، أو عزائي، وكذلك غير راضٍ عن عنوان روايتي الجديدة “يكفي أننا معًا” وأراه رومانسيًا أكثر مما ينبغي لنص يحمل ذات الأسئلة التي تحملها كتابتي عادة، ومنها الخوف من الفناء.

الفرق في الحالتين أنني كتبت عنوان العمل الأول بثقة، بل بتبجح، الشاب قليل الخبرة، وفي الكتاب الجديد بحيرة الكاتب الذي يزداد خوفًا من الكتابة، كلما نشر كتابًا جديدًا، وقد طلبت عون الأصدقاء فلم أظفر هذه المرة، ووضعت أمامهم نحو عشرة عناوين ولم نرض عن واحد، فتركت لدار النشر اختيار العنوان من الأسطر التي كتبتها تباعًا، مع التنويه بأن أولويات العناوين على الصفحة الأولى من المخطوطة لا تعني ترتيب تفضيلاتي الشخصية.

جبور الدويهي: العناوين حكايات

كأن لكل عنوان قصّة. عنوان أجده ما إن تلوح لي فكرة الكتاب، مثل “اعتدال الخريف” وقد وجدتني، وربما بسبب دهشة العنوان، أسوق فصول الرواية في دوران السنة، وربما هذا ما دفعني لأجعل منها نوعاً من المفكرة الشخصية لأختمها في هذا اليوم من شهر أيلول الذي يتعادل فيه الليل والنهار، أو روايتي المقبلة التي ما زلت في تمتماتها الأولى، “حقّ المرور”، وهذا ما يرسّخ الموضوع في إشارات العنوان. عنوان تنتهي الرواية ولا أجده فتمضي أيام في البحث عنه أشارك فيه الأصدقاء ممن قرأوا المسوّدة حتى “يلمع” عنوان مثل “مطر حزيران” الذي اقترحه عليّ شقيقي الأكبر، وقد استوحاه من القرار الظنّي حول الحادثة التي أروي بعض فصولها. كذلك أمضيت وقتاً طويلاً قبل الوصول إلى “طُبع في بيروت” روايتي الأخيرة التي تدور أحداثها في مطبعة في العاصمة اللبنانية، وكان الخيار من وحي التعبير الشائع عن صواب أو عن خطأ: “القاهرة تكتب، بيروت تطبع، وبغداد تقرأ”. أو مثل تردده والدتي عندما تقدّم لأخويّ المقيمَين في فرنسا حجة تقنعهما بالعودة إلى لبنان: “الموت بين الأهل نُعاس” فكان عنوان مجموعتي القصصية الأولى. ثم كانت عناوين سهلة تشير إلى الأمكنة التي تجري فيها الأحداث مثل بلدة “عين وردة” الجبلية أو “حيّ الأميركان” المديني. العنوان الوحيد الذي رسيت عليه خلال الكتابة كان “شريد المنازل” عندما وفّقت بخاتمة رسالة يوقع صاحبها بعبارة “شمعون رخّو، شريد الأوطان ويتيم الأصدقاء”ظز

خليل النعيمي: علام نندم؟

الندم؟! كلمة كبيرة تشمل الوجود. ندَم على عنوان؟ وما هي الكتب العربية التي تستحق القراءة، حتى لا أقول الندم، وعلى رأسها كتبي؟ لا شيء. العنوان، على عكس ما تعتقد، ليس عتبة للنص، وإنما هو ابتذال للمكتوب. النص الذي يُعرف من عنوانه ليس إلا مهزلة كتابية لا جدوى منه. الكتابة أكبر من العنوان. العنوان من صنع المؤلف وليس من «صنْع النص». علام نندم إذن؟ الأجدر بنا أن نندم على نصوصنا المحرومة من العبقرية، وليس على عناوينها التافهة.

وحيد الطويلة: ندمت مرة

العنوان الوحيد الذي تمنيت تغييره بعد صدور العمل كان لمجموعتي القصصية “كما يليق برجل قصير”. أتصور أن لفظ “قصير” حددّ الأفق، وربما أغلقه. فكرت أن يكون مثلًا “كما يليق برجل”.

حاتم الصكَر: كمن يزيل نبتة زائدة

حين وصلني السؤال عن ندم المؤلفين على عناوين أعمالهم أو تغييرهم له لاحقاً، كنت ـ وفي مصادفة موضوعية ـ في خضم اهتمامات عنوانية؛ منها بحث عن عتبات نصوص الشاعر محمود حسن إسماعيل، وفي مقدمتها عناوينه التي تشي بخطابه الشعري الرومانسي، والبحث عن عنوان بديل لكتاب لي قيد الإصدار لم يرتح صديقي إلياس فركوح له، واقترح استبداله. لكنني، رغم الانغماس العنواني واهتمامي به كموجّه قويّ للقراءة، عدتُ بذاكرتي إلى مساجلة من طرف واحد مع أدونيس، قمت بها نهاية الثمانينيات في مجلة “الناقد”. فقد صدرت لأدونيس وقتها الطبعة الرابعة لأعماله الشعرية الكاملة. وأول ما لاحظته هو تغيير أدونيس للعنوان المثبت في طبعات سابقة.

أمجد ناصر: “هنا الوردة”

كنت قد أشرت في مقال لي ، موخراً، إلى اكتشافي تشابهاً بين عنوان روايتي الجديدة “هنا الوردة” ومجموعة قصصية للكاتب البحريني أمين صالح صدرت أوائل سبعينيات القرن الماضي. لكن هذا العنوان ليس لأمين وليس لي. أصله لماركس وله تكملة بحيث يصبح كالتالي: “هنا الوردة، فلنرقص هنا”. أو “هنا نرقص”، وذلك حسب الترجمة. وهو ما اختاره صالح. أي حوّل المقولة كلها إلى عنوان مجموعته القصصية. العناوين مشكلة حقيقية.

قد لا يهتم البعض بالعتبة وسوف يقولون لك: المهم هو البيت، لكن لا، العتبة أول البيت. مدخله. لذلك كان القرويون في بلادنا، وربما لا يزالون، يضعون خرزة زرقاء، أو حدوة حصان، على عتبة البيت. أو يكتبون آية من القرآن، أو قولًا مأثورًا لدفع الحسد، أو لرفع آية الشكر لمن منَّ على الأهلين بهذا الكرم , هكذا العنوان مهم. إنه الاسم أيضًا.

مقالات ذات صله