المشهد الكوردستاني ربيع 2017… بعد 26 عاماً من الحكم المستقل: أهداف الانتفاضة في مهب الريح

بغداد – متابعة
بين 5 و21 آذار، مرت في اقليم كردستان، الذكرى 26 للانتفاضة الكردية من أجل الحرية والعدالة والديمقراطية، ضد مظالم الدكتاتوريات وأنظمة الاستبداد.

مرت من دون اهتمام حكومي، الا من بضعة بيانات حزبية حماسية تطبيلية، ومن دون اكتراث شعبي ومدني، بعد ان تساقطت أهدافها مع تكالب الأحزاب على مغانم السلطة، وتقديم مصالحها على مصلحة الأمة الكردية، ومع تراجع سقف الحريات، وتبدد الديمقراطية، وانحدار العدالة وغياب المساواة، وارتفاع حدود المظالم والمفاسد، وتفتت المؤسسات، واستمرار انقسام الاقليم القومي الى اقليمين او اقاليم سلطوية بجيوش واجهزة أمنية وادارية حزبية.

مرت ذكرى انتفاضة الأمل والتطلعات الكبرى، من دون اكتراث اعلامي، الا من بضعة برامج حوارية وسردية توثيقية، وبضعة مقالات نارية، ومثلها انشائية تهليلية للصحفيين وكتبة الدواوين من مطلقي الأوهام والأحلام والشعارات.

على الرغم من التطورات اللافتة للنظر للقضية الكردية على الصعيدين الاقليم والدولي والدعم والتعاطف الكبير الذي تتلقاه، فالأمور الداخلية في كردستان تكاد تكون في أسوأ مراحلها منذ منتصف تسعينات القرن الماضي حين كانت الأحزاب “القومية التقدمية” تتقاتل تحت يافطات “نصرة الأمة والقضية” من اجل السلطة واموال المعابر الحدودية، في حرب اوقعت آلاف الضحايا.

الأوضاع الاقتصادية سيئة مع توقف معظم المشاريع الخدمية وتراجع حركة الاسواق وغياب المشاريع التنموية، على الرغم من بشارات التصدير المستقل للنفط واكتشاف كميات هائلة من النفط والغاز مع تقاطر الشركات الكبرى على الاقليم، وعلى الرغم من الوعود الحزبية الانتخابية بتسليم كل مواطن حصة من العائدات… المعيشة ازدادت صعوبة، وأيام البذخ والرواتب المليونية ولت بعد تقليصها الى النصف والربع، بل ان آمال استعادة المستقطعات الاجبارية للرواتب بدورها تبخرت.. والديون تتراكم على الناس وعلى الحكومة على حد سواء.. والاغنياء الحزبيون يزدادون احتكارا ومالا وجاها وسلطة، بينما الفقراء يتناسلون ويحشرون انفسهم في الظلام وهم يرفعون اياديهم بالدعاء لله ان يجنبهم المرض، فذلك يعني الكارثة، وان لا يعاقبهم بمزيد من العوز، ويجنبهم آلام ومخاطر العودة الى سنوات الحصار.

الأوضاع السياسية متردية الى حد البؤس، فالبرلمان معطل، والحكومة شبه مشلولة، والمؤسسات في خبر كان، وتتوالى الأخبار عن سوء الادارة وانتشار الفساد ومعها أخبار تشكيل مزيد من لجان مكافحة الفساد.. الأحزاب تتبادل الاتهامات مقتربة من حافة تخوين بعضها، والحياة السياسية متوقفة وحتى التسويات المتوازنة وتوافقات الفيفتي فيفتي بكوارثها ما تزال بعيدة المنال، والأحزاب لا تكاد تستطيع الاجتماع، وعلاقاتها بين شد وجذب وبياناتها بين نار وحرب.

الممارسة الديمقراطية مهددة، فديمقراطية صناديق الاقتراع على اكثر من صعيد معطلة، والانتخابات البرلمانية في ايلول المقبل قد لا تجري في موعدها، وخلال 26 عاما جرت أربع دورات انتخابية فقط وهو ما يساوي العمليات الانتخابية التي جرت في العراق خلال نصف تلك المدة وفي اجواء الحرب والصراع السياسي. وسط اتفاقات الكبار وصفقاتهم التي تتلخص في الاتفاق على اجراء الانتخابات اذا حققت مصالحها الحزبية وتأجيلها اذا تهددت تلك المصالح.

الأوضاع الأمنية، التي تمثل الانجاز الكردي الأكبر، مهددة بدورها، ففي سنجار الأمور متوترة والكل يريد طرد الكل…وفي كركوك يبرز اصحاب الملابس السوداء ليسيطروا على حقول النفط فارضين شروطهم شاء من شاء وأبى من أبى، في المقابل يُتهم مقاتلو الفصيل المنافس بالتحرك في محيط المدينة للسيطرة على مزيد من الآبار النفطية…بينما تظهر دعوات لتشكيل قوة خاصة بحركة التغيير، لتنضم الى سلسلة التشكيلات الحزبية… على الحدود الشرقية يعزز الايرانيون نفوذهم ويوسعون تهديداتهم وتدخلاتهم، وعلى طول الحدود وفي قمم الجبال والقرى القريبة يستمر القصف التركي اليومي، وفي مناطق أخرى يعزز الأتراك وجودهم ومقارهم في انتظار انطلاق “الحملة الأمنية الأكبر” في تاريخ تركيا للهجوم على معاقل العمال الكردستاني في قنديل وغيرها.

اجتماعيا، تتصاعد معدلات الجريمة، والانتحار، والقتل والعنف……. وتعج الصحف الكردية يوميا بقصص العصابات التي يتم اعتقال افرادها وبقصص المنتحرين وقصص المتاجرين بالمخدرات وقصص المصابين بأخطر الأدواء.

ثقافيا، الثقافة الكردية لا صوت ولا صدى، والمثقفون يزدادون تهميشا وعجزا واحباطا، مثلهم الفنانون وحتى الموسيقيون والمغنون وهم يتركون مسارحهم للغزو الثقافي التركي الذي يتغلغل في كل بيت.. اما اللغة الكردية وبعد ما حققته من قفزات تعود لتترنح على وقع انتشار المدارس والجامعات التي لا تجد الكردية لنفسها مكانا فيها…بينما تتراجع ادوار اتحادات الادباء والمنظمات الثقافية، في حين تتساقط المؤسسات الاعلامية الكردية واحدة تلو الاخرى على وقع ازمتي الثقافة والاقتصاد.
وفي ملف الحريات، لا يكاد يخلو تقرير دولي من توجيه النقد للسلطات الكردية، من انتهاكاتها وتجاوزاتها على حقوق الانسان والحريات وعلى الصحافة والاعلام (التي باتت متحزبة بالكامل) وعلى المجتمع المدني والمراكز البحثية التي لا تطرب نتاجاتها ونشاطاتها ومناقشاتها السلطات (خلال اسبوع في اربيل تم منع ناشطين) بل وعلى التعامل مع بقية المكونات.

بعد 26 عاما من الحكم المستقل مازال اقليم كردستان بنظر قادة الأحزاب يخوض “تجربة”، وهم لا يترددون في الترويج الدائم لمصطلح “التجربة الوليدة” على ادارة الاقليم. هم مازالوا يجربون على رؤوس شعب الاقليم تجاربهم الحزبية في الادارة والاقتصاد والسياسة.
يقول من بقي من الكتاب الكرد بعيدا عن لغة الأحزاب الدعائية، ان معظم أحلام الانتفاضة تبخرت، وان آمال الحكم الديمقراطي وسيادة القانون والتبادل السلمي للسلطة تتلاشى، وان تطلعات المجتمع المدني والحريات والمؤسسات والحكم الرشيد تتعثر، وأمنيات العدالة الاجتماعية والمساواة وتوزيع الثروات واستغلالها للرفاه المجتمعي تتحطم، وما تحقق من شعارات الانتفاضة، بعيدا عن اللغو الحزبي، لا تكاد تذكر الا من ارتفاع نسبي ومرحلي في سقف الخدمات والحرية وخلاص من مظالم سلطة البعث الدموية.

يتساءل احدهم: هل ما تحقق للكرد اليوم يوازي التضحيات التي قدموها في “ثوراتهم” المتلاحقة نحو قرن وفي انتفاضة 1991…. أم ان التضحيات هائلة مقارنة مع منجزات صغيرة.
يقول آخر ان “حكم الذات لا يعني الحرية”، منبها الى خطورة تكرار تجارب الدول العربية بشعاراتها الكبرى في بناء أنظمة قوموية او مشيخية واعلان حدود وطنية على ركام حياة مواطن مهمش مسلوب الذات.

مقالات ذات صله