المدخنون من طلبة المدارس.. هل اقتربوا من مرحلة الادمان؟

تحقيق/ كريم كلش

 مشاهدات عابرة واخرى متكررة لحالات قد تؤشر ظاهرة خلال السنوات القادمة في حالة عدم التصدي لها، دخان في الممرات والصفوف والحمامات والساحات ينساب من افواه وانوف اطفال ومراهقين يسيرون بلا وعي في طريق ادمان التدخين، واصبح (بحسب تأكيدات صديق لي) وجود علبة سكائر في جيب او حقيبة طالب ابتدائية او متوسطة او اعاداية امراً مألوفاً ربما بسبب عدم متابعة الاهل واهمال الكادر التدريسي للنصائح ذات الابعاد التربوية الودية.

في هذا التحقيق سنسلط الضوء على (ظاهرة) تدخين الطلبة في المدارس وفي الطرق المؤدية لها، متمنين ان تنتبه وزارة التربية لهذه الحالة قبل ان يتصاعد الدخان بكثافة ليشكل سحابة بيضاء في سقف الصف.

ادمان مرتقب

*كرار لطيف عباس (15) عاما طالب اعدادية، قال: عندما كنت في الثانية عشر من عمري اخذت السيجارة وكنت خائفا، وذلك بهدف التجربة وعندما علم والدي بالامر امتنعت بصورة وقتية واخذت تدريجيا اتناول نفسا من سيكارة احد الاصدقاء، واصبحت اشرب الدخان على مدار الدوام المدرسي واصبح ذلك شيئاً عادياً، كانت امي تعلم بذلك ولا تمانع، والان تعودت على الدخان ولم اعد قادراً على تركه.

*اما الطالب محسن حسن (16) عاما فقال: اردت ان اخوض مغامرة فريدة اثناء المرحلة المتوسطة من خلال تدخين السجائر، فقمت بهذه المغامرة بحذر، لم اكن في حينها اعرف كيف ادخن، وبشكل تدريجي نقلني الدخان الى عالم آخر وشعرت بانني اكثر جاذبية. وعندما يسألوني: ما هو السبب الذي دفعك للتدخين، اجيبهم ان السيجارة في فمي تجعلني اكثر سعادة، اشتري ايضاً العلك لاخفاء طعم التدخين في فمي، وكنت اتفنن في اخفاء علبة السجائر، اما الآن فاشعر انني اصبحت عبداً للدخان، فهل من منقذ؟.

*وتحدث طالب ذو (15) عاماً فضل عدم ذكر اسمه قائلا: كنت اشعر بالفراغ فرغبت في كسر الروتين وبدأت بالتدخين عندما دفعتني رغبتي القوية لتقليد من هو اكبر مني سناً، ومرت الاشهر وكانت تراودني فكرة التخلص من التدخين، وعندما توفيت امي كرهت كل شيء حتى نفسي وشعرت بالوحدة على الرغم من وجود ابي واصبحت مدمنا لا استطيع التخلص من الدخان، اول رحلتي كانت سيكارة واحدة اما اليوم فقد امتطيت صهوة (الباكيت) بشكل يومي.

*وذكر طالب الاعدادية عباس خضير عباس (18) عاما قائلا: بعد علاقات صداقة متشعبة مع زملاء في الصف، وجدت نفسي انساق بشكل تدريجي الى عالم دخاني غامض، وعزز ذلك رؤيتي لابي وهو يدخن بشراهة بشكل يومي وفي ساعات الليل في حديقة المنزل.

بدأت رحلتي السرية مع التدخين في الصف السادس الابتدائي، وظلت كذلك يلفها حاجز الكتمان حتى المرحلة الاعدادية حين كشفني مدرس علم الاحياء، نظر الي بغضب ثم ذهب الى غرفة المدرسين، كنت اتوقع عقوبة ما او اخبار ابي ولكن هذا الامر مر مرور الكرام وهو ما عزز علاقتي مع الدخان.

تأثيرات سلبية

*اما مدير مدرسة البلقاء الابتدائية عماد قاسم محسن الوائلي، فقد اوضح ان الكادر التدرسي يحث الطلبة بشكل دائم على ترك التدخين والتعريف بمضاره الصحية والاقتصادية، بعض الطلبة يستجيبون وبعضهم لا، وقسم منهم ينظر الى التدخين كمتعة وهو ضرب من الخيال.

يعتبر التدخين من العادات السيئة في المجتمع، واخشى ان تغزو هذه الظاهرة اوساط الطلبة بشكل ملفت، ومشاهداتي تعزز هذه المخاوف حيث رأيت عدد من الطلبة وهم يتسابقون الى شراء علب السكائر بعد خروجهم من المدرسة، وهذه مشكلة قائمة لا يمكن انكارها، وهو ما يستدعي عملاً جماعياً تربوياً مكثفاً لانقاذ ما يمكن انقاذه وتسليط الضوء على مضار هذه العادة السيئة على جيل المستقبل لا سيما في مرحلة المراهقة التي تظهر فيها المشاكل والصراعات النفسية والاجتماعية، وكل ذلك مرتبط بالظروف البيئية المحيطة، ان مسؤولية حل هذه المعظلة تقع على عاتق الاسرة والمجتمع والسلطات الرسمية.

* فيما ذكر الاستاذ عبد الحسين كاطع (مدرس اعدادية): ان حملات الدعاية الموجهة الى طلبة المدارس يجب ان تفعل لكي تمارس دورا ارشاديا فاعلا في التوعية من مضار التدخين واضراره الصحية خاصة في هذا الوقت الذي انتشر فيه انتشارا لا مثيل له، ويجب ايضاً ظهور اعلانات في الصحف والمجلات وعلى شاشات التلفاز وغيرها من الوسائل الاعلامية الاخرى لمخاطبة عقول الطلبة بشكل علمي ومنطقي دون ان يشعروا انهم يتلقون نصائح اجبارية وعليهم تنفيذها، واقترح ان تكون احدى معايير التعيين في دوائر الدولة هو عدم التدخين.

*المعلم مؤيد مجيد، علق على هذه الظاهرة المنتشرة حديثا من خلال اسطر عبر فيها عن مكنونات نفسه: يلجأ الطالب المراهق الى هذه الظاهرة الوبائية ويتصور انها تعطيه نوعا من الاستقلالية عن اهله والاحساس بالرجولة والبلوغ وتوحي له بالقدرة على الاعتماد على نفسه، وهو امر يندرج ضمن الخيال فقط.

واضاف، ان هذه الظاهرة تعد مشكلة خطيرة يجب الاسراع في وضع خطط جادة لمعالجتها، والتركيز على مواجهتها، ولابد ان تكون البداية مع المجتمع الطلابي بكل الوسائل لتلافي المشاكل المرتبطة بالتدخين.

وبحسب مؤيد فانه قرأ في احدى الصحف اليومية ان منظمة الصحة العالمية اكدت في عام (2011) ارتفاع عدد المدخنين في العراق حيث وصل الى نحو (7,5) مليون مدخن، مبينة ان حجم الاستهلاك السنوي وصل الى ما يقارب المليار علبة سجائر وتبلغ حصة كل فرد منها سنويا (1200) سيجارة وربما بعد الاحصائية يزداد العدد سنويا فكيف ستكون مكافحة آفة التدخين ياترى؟.

متطلبات العلاج

*الباحثة الاجتماعية شهد محمد، اكدت ان انتشار ظاهرة التدخين بين طلاب المدارس يرتبط بعدد من العوامل والاسباب منها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ومنها ما يتعلق بالمجتمع المدرسي والمجتمع الخارجي ايضا، ومنها كذلك ما يرتبط بالعوامل الخاصة للطالب سواء أكانت نفسية او عقلية او اجتماعية، كما لوحظ ان ظاهرة التدخين تنتشر اكثر بين الطلاب وقد يرجع ذلك الى ارتفاع مستوى معيشة الطلاب، وبغض النظر عن المستوى الاجتماعي يشجع على انتشار هذه الظاهرة كثرة عدد افراد الاسرة ذو التأثير السلبي على عدالة توزيع الرعاية والنصح.. وقد انحصرت نسبة (75%) من الطلاب المدخنين بين الفئة العمرية من (12- 16) سنة وهي مرحلة المراهقة، مما يدل على تأثير تلك المرحلة في الاتجاهات وسلوكيات الابناء وضرورة الاهتمام بهم ومن الناحية الثقافية فقد اتضح ان مستوى تعليم الوالدين له اثره الكبير في ادراكهم خطورة الادمان حيث بلغت نسبة الاباء الاميين حوالي (50%) الى جانب ان (27%) منهم لا يعرفون سوى القراءة والكتابة.

التدخين شرعا

* السيد ابو سجاد الموسوي قال: الدخان من الخبائث ذات الرائحة الكريهة وللاسف الشديد يستهين بعض الآباء بالتدخين وشرب الخمر داخل منازلهم امام ابنائهم وبحرية تامة وهذا السلوك يدفع الابناء بالتأكيد الى تقليد الاب في شرب السجائر وذلك عن طريق استكمال شرب باقي السيجارة الذي يرميها الاب وبالتالي تبدأ العملية بالتدريج شيئا فشيئا وتصبح مسألة التدخين بالنسبة للابن مسألة اعتيادية.

اما من الناحية الاقتصادية فان هذه الظاهرة ذات اثر سلبي واضح على الطالب الذي يضطر الى شراء علية كاملة يوميا واذا لم يتوفر يسرق واذا لم يسرق قد يتطفل، ونحن اليوم بحاجة الى ان يشترك الجميع من رجال الدين والاطباء المتخصصون ويقوموا بتوضيح الاثار السلبية واضرار التدخين بالاضافة الى دور الاعلام والمحاضرات والندوات الاذاعية والمدرسية.

رادع تربوي

* وكشف مدير الاعلام التربوي في وزارة التربية فراس محمد ان الوزارة وجهت اعماماً لجميع مديريات التربية في بغداد والمحافظات باتخاذ اجراءات حازمة وفورية بحق الطلبة المدخنين في المدارس سواء تم ضبطهم في الصفوف الدراسية او الممرات او الساحات العامة وغيرها من اماكن الحرم المدرسي، مؤكداً ان هذه الاجراءات ستتضمن الفصل النهائي للطالب المدخن وحرمانه من دخول الامتحانات النهائية للعام الدراسي.

وبين محمد ان هذا الاجراء سيشمل كافة المراحل الدراسية الابتدائية والمتوسطة والاعدادية وحتى اشعار آخر، مضيفاً، ان هذا الاجراء جاء ضمن توصيات الامانة العامة لمجلس الوزراء لتقويم الطلبة في جميع مدارس العراق، كذلك اتخاذ اجراءات اخرى بحق الطلبة المدخنين حيث شمل الانذار واعلام ولي الامر وفي حالة عدم الاستجابة يتم اتخاذ قرار بفصل الطالب نهائياً.

مقالات ذات صله