المدائن مدينة الصحابة والملوك.. التاريخ والسياحة في خبر كان

كتب: سعد الكعبي

 تقع هذه المدينة على مسافة 40 كم جنوب بغداد، وهي تحمل عدة أسماء، فهي “المدائن” (بالآرامية)، و”طيسفون” (بالفارسية)، و”سلوقيا” (بالإغريقية). وقد بناها الفرثيون وهم أقوام جاؤوا من جنوب إيران، واستولوا على العراق عام 141 ق.م، وبنوا مدينة طيسفون لتكون عاصمة لهم، كذلك اختارها الساسانيون لتكون عاصمتهم الشتوية، مع عاصمتهم الصيفية، سوسة، في إيران، بعد أن تمكن أردشير الساساني من القضاء على ارطبان آخر ملوك الفرثيين عام 224 للميلاد. ومنذ ذلك الوقت حكمت الدولة الساسانية العراق حتى الفتح الإسلامي.

ويظهر أن اختيار هذه المنطقة لتكون عاصمة لأعظم الدول في تلك الحقبة، كان لاعتبارات عسكرية، حيث أنها محمية بمانع طبيعي هو نهر دجلة من جهة الشرق، كما أن توفر المياه ساعد على بناء تجمعات سكانية مستقرة. ولعل أبرز ما في هذه المنطقة هو القصر الذي بناه شابور الأول (241-275م) والذي يعرف بالقصر الأبيض أو قصر كسرى والذي يحتوي على أشهر طاق في التاريخ وهو ما يعرف بـ”طاق كسرى”.

طاق كسرى

يعتبر طاق كسرى من أعظم الطوق في العالم القديم، وأعلاها. وهو جزء من القصر الأبيض، وقد تهدمت جدرانه واندكت ولم يبق من معالمه إلا الطوق وبعض الأسس. وهناك أكوام من الردم والأنقاض منتشرة على مسافة مئات الأمتار، مما حول الطاق. وما تبقى من البناء تدل على عظمة القصر عندما كان شاخصا في عهده الغابر. يبلغ ارتفاع الطاق عن سطح الأرض حوالي 30 مترا وعرضه 25.5 مترا وسمك جداره من الأسفل 7 أمتار. ويطل الإيوان على الشرق وله ثلاثة أبواب، واحد من اليمين والآخر على اليسار وكلاهما قرب فتحة الإيوان، والثالث قرب الجدار الغربي. وإلى يسار الإيوان هناك حائط شاهق يعلو حتى قمة الطاق، يبلغ سمكه من الأسفل 6 أمتار، وقد تم إسناد هذا الحائط بمسند من الآجر والاسمنت مؤخرا لحمايته من الانهيار. أما بالنسبة للحائط الذي كان قائما إلى الجانب الأيمن من الإيوان، فقد تهدم عام 1887 بفعل فيضان دجلة.

لقد كشفت البعثات التنقيبية الأجنبية، ومنها الألمانية عام 1931، بالاشتراك مع متحف متروبولتن في نيويورك الكثير من أسرار هذا القصر، حيث ظهر أن مساحة المدينة هي نحو 3 كيلومترات مربعة. واستطاعت هذه البعثة، الكشف عن أبنية مختلفة، وسور المدينة، وحددت معالم القصر. وقد ظهر بأن القصر يتكون من الإيوان الكبير في الوسط، وهو قاعة العرش، وهذا محاط بحجرات صغيرة من الشمال والجنوب، وهي ملاصقة لجداري الإيوان، وأمامها ردهة طويلة تنتهي بردهة واسعة جدا تقع على محور الإيوان. والبناية كلها معقودة بالآجر والجص، ومطلية من الداخل بالجص والألوان الزاهية. أما واجهة البناء والتي كانت نحو الشرق، فإنها كانت مزينة بنقوش جصيّة وتماثيل رخامية كبيرة.

وقد أسفرت الحفريات عن استخراج مجموعات مختلفة من الآثار التي تعود إلى الفترات الهيلنستية والفرثية والساسانية والإسلامية، كان بينها جرار مزججة، وقوارير زجاجية، ونقوش جبسية وتماثيل رخامية، وأدوات نحاسية متنوعة، مع مقدار كبير من المسكوكات الفضية والنحاسية.

لقد تحدث كتاب العرب القدامى عن فسيفساء هذا القصر، ونقوشه المطعمة بالذهب والأحجار الكريمة، وستائره الحريرية، وسجاده النفيس، وذكروا التماثيل التي كانت تزين واجهات القصر وردهاته والكتابات التي كانت مسطورة على جدران الإيوان، بالأحرف السريانية واللغتين الفهلوية والفارسية.

مراقد للصحابة وأهل البيت

بعد ضم العراق إلى الدولة الإسلامية زمن الخليفة عمر بن الخطاب، اتخذ بعض الصحابة هذا الإقليم محل سكنى لهم، ومنهم الصحابي الجليل سلمان المحمدي (ع) الذي ولاه الخليفة الراشد الثاني على العراق.

اسمه روزيه ثم سماه رسول الله (ص) بعد إسلامه سلمان، ويسميه أهل العراق “سلمان باك” وهو لفظ أعجمي معناه “سلمان الطاهر”. وقد توفي بالعراق سنة 34 هجرية ودفن في المدائن على مسافة قصيرة من شمال الطاق.

ضريح الصحابي سلمان المحمدي(ع)

يتكون الضريح من صحن واسع، له بابان كبيران، ويحتوي على عدة أواوين، تم اقتطاع جزء منها وتحويله إلى مدرسة دينية. في أعلى الضريح هناك مئذنتان عاليتان، وأربع قباب، واحدة فوق مرقد سلمان، واثنتان في أعلى ضريح عبد الله بن جابر الأنصاري، والسيد طاهر (رضي الله عنهم أجمعين)، وواحدة في أعلى المسجد.

يوجد على الجهة اليمنى من الضريح مسجد يؤمه أهل المنطقة للصلاة فيه يوميا، أما في أيام الجمع فإن المسجد يمتلئ بالمصلين، مما اضطر القائمين على شؤون الضريح إلى تهيئة مسقفات خارج حرم المسجد لحماية المصلين من الحرارة والأمطار. بعد اجتيازك الصحن تكون قبالة باب صغير مكتوب في أعلاه قول الرسول الأكرم (ص) “سلمان منا أهل البيت”.

عند اجتياز هذا الباب، هناك رواق مساحته بحدود ستين مترا مربعا، توجد فيه مكتبة صغيرة لحفظ القرائين، مع لوحة مكتوب بها الدعاء الخاص بالزيارة، وأن هذا الرواق قد تم تجديده حديثا، حيث تم تزيين سقفه بالعديد من النقوش الإسلامية الجميلة. في منتصف الرواق، هناك باب صغير يؤدي مباشرة إلى المرقد.

ويقع المرقد وسط حرم صغير، يحتوي على شباك صغير يطل على الرواق، ويوجد داخله باب حديدي صغير يؤدي إلى مرقد الصحابة حذيفة بن اليمان وعبد الله بن جابر الأنصاري، والسيد الطاهر بن الإمام محمد الباقر (رضي الله عنهم أجمعين)، وهذا الحرم تزينه النقوش الإسلامية البديعة.

ويوجد في أعلى المرقد صندوق أركانه من الخشب الصاج، يحتوي على مشبك من الفضة المطلية، وتوجد في أعلى أركانه الأربعة قناديل نحاسية كل واحدة منها تشغل ركنا من هذه الأركان.

 مرقد الصحابي حذيفة بن اليمان

على الجهة اليسرى من مرقد الصحابي سلمان المحمدي (ع)، ومن خلال باب صغير من داخل المرقد، وآخر من الخارج ، يقع مرقد الصحابي حذيفة بن اليمان، صاحب رسول الله (ص)، ومن الذين أبلوا بلاءً حسنا في معارك المسلمين، وصاحب الدرجة العالية من العلم بالكتاب والسنة. ولاه عثمان بن عفان ولاية المدائن، وبعد مقتل عثمان أقره الإمام علي بن أبي طالب (ع) على ولايته، وتوفي هناك سنة 36 هـ. كان قبره وقبر الصحابي عبد الله بن جابر الأنصاري على ضفة نهر دجلة، إلا أنه نتيجة للتآكل الذي حصل في الضفة الغربية لنهر دجلة بسبب الفيضان تم نقل رفاتهما إلى موضعه الحالي عام 1931م. إن الحرم الذي يوجد مرقد هذا الصحابي فيه، هو مساو لحرم الصحابي سلمان المحمدي (ع) بالمساحة. عند اجتياز الباب الخارجي لهذا الضريح وفي الجهة اليمنى من الحرم يقع مرقد حذيفة بن اليمان.

يوجد في أعلى المرقد صندوق من الخشب الصاج يحتوي على مشبكات جميلة مصنوعة من نفس الخشب أيضا، ويوجد في أعلاه إطار من الألمنيوم.

 مراقد أخرى

داخل نفس الحرم، وعلى بعد أربعة أمتار، يوجد هناك مرقد آخر للصحابي عبد الله الأنصاري، ابن الصحابي المشهور جابر بن عبد الله الأنصاري، الذي شهد بدرا وثماني عشرة غزوة مع النبي (ص)، وامتد به العمر حتى مات سنة 78 من الهجرة، ويعد من أجلاء المفسرين. وكذلك، وضمن نفس المرقد، وعلى الجهة الأخرى، هناك مرقد السيد طاهر بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).

مجمع المدائن السياحي

على ضفاف نهر دجلة الخالد، ووسط غابات من أشجار الحمضيات التي تشتهر بها المنطقة وأشجار النخيل، وعلى مسافة لا تبعد عن طاق كسرى أكثر من كيلومتر واحد أنشئ مجمع المدائن السياحي في سبعينيات القرن الماضي .

يضم هذا المجمع فندقا ذا طابقين، يحتوي على 20 غرفة نوم مزودة بكافة وسائل الراحة. بالإضافة إلى هذا الفندق الجميل، هنالك خمس فيلات سياحية، تحتوي كل منها على غرفتي نوم وغرفة استقبال ومطعم وحمام، كما توجد هناك 16 شقة و16 غرفة مفردة.

ويحتوي هذا المجمع على سوبر ماركت، ومسبح أولمبي وحدائق غناء مزودة بوسائل لهو للأطفال. وفي الجهة المطلة على نهر دجلة توجد عوامة كانت معدة لتكون كازينو عائم، علما أن أجور المبيت في هذه المرفقات زهيدة جدا حيث أن أجرة المنام لليلة واحدة في الفيلا مع الخدمة هي بما يعادل 20 دولارا، أما الغرفة المفردة فإن أجورها لا تزيد عن 8 دولارات. ومن الأهمية بمكان أن نذكر أنه قبل احتلال العراق كان من الصعب جدا الحصول على حجوزات خصوصا ليالي الجمع، لأنه كان المكان المفضل للعرسان، ومن يبحث عن الراحة والهدوء. وكذلك فإن الكثير من العوائل كانت تأتي إلى هذا المجمع خصوصا أيام الجمع والعطل الرسمية والدينية، حيث اعتاد البغداديون قضاء اليوم الذي يلي عيدي الفطر والأضحى والذي يسمى بـ”الكسلة” في هذا المكان، والكل يردد الأهزوجة الشعبية “المايزوره لسلمان عمره خسارة”. أما في أعقاب الأحداث الأخيرة فقد انحسرت الحركة بشكل كبير.

  الاهمال عنوانها الرئيس

يقول مهدي صالح “صاحب محل”: لكي تعود المدائن الى سابق عهدها يؤمها الزوار والسياح من جميع المحافظات ومختلف مناطق بغداد واحيائها ينبغي الاهتمام بالخدمة الفندقية ومراكز التدريب السياحية والخريجين وعمال السياحة… ولعل هذا يحفز وزارة السياحة على الاهتمام بالسياحة وأن يقوم المسؤولون في وزارة السياحة إلى جميع المناطق السياحية وليس المدائن فحسب فهذه المنطقة كانت زاخرة بالكثير من المناظر الهامة وبشكل خاص على صعيد المناطق السياحية المنسية، فيما نجد ان عددا من المسؤولين زاروا المدائن منهم وزير النقل ورافقه وفد سياحي كبير ونائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي وغيرهما كثير من المسؤولين ولكن ماذا حققت هذه الزيارات للمنطقة على أرض الواقع لا نستطيع أن نستقرئ النتائج على الفور إذ لا بد من الانتظار قليلاً لمعرفة ما سيتم إنجازه من قضايا سياحية تهم هذه المنطقة وتهم بشكل خاص المواطنين الذين يتساءلون دائماً بعد ان اغلق اصحاب المطاعم ابواب مطاعمهم بسبب قلة عدد الزبائن وهذا يستوجب ان تقوم وزارة السياحة بطرح مشاريع استثمارية سياحية ليتاح لجميع اهالي بغداد ارتياد هذه المناطق كما في السابق مجاناً فيما يستفيد اهل المدائن من الخدمات المأجورة في المناطق السياحية وحتى الزراعية بعد ان تكتظ المتنزهات بالزائرين.

 سياحة وتراث

 ويقول محمود حنا “اعلامي”: لو ان دولة ما لديها ربع او اقل مما في قضاء المدائن من آثار تعود الى اكثر من 2500 سنة واكثر لحرصت وبذلت الجهود المضنية والكبيرة من اجل ان تنتزع اعترافا دوليا من لجنة التراث العالمي المنبثقة عن اليونسكو على ضم المدائن الى قائمة التراث العالمي، فالمدائن تحتوي على اثار تمتد الى عمق التاريخ ولم تروج وزارة السياحة للمناطق السياحية والاثارية بالشكل المناسب،وكان من الممكن ان تستفيد السياحة والآثار من هذا الكم الهائل من الاثار وتفكر في طريقة للترويج لها وانشاء مشاريع جديدة ثم تبدأ بالتجهيز لمواقع اخرى ومراجعة انظمتها وقوانينها المتعلقة بالسياحة لتحظى باهتمام السياح الاجانب والعرب، خصوصاً ان العراق يزخر بمواقع اثرية وتاريخية تعود الى ما قبل الإسلام مثل قضاء المدائن وغيره من المواقع التي اهملت او جرفها المزارعون من اجل ان يزرعوا بدلا عنها الشعير او البرسيم، فكيف هي المواقع الاثرية الاسلامية التي تعد مرجعاً تاريخياً، اعتقد من المهم الاهتمام بها وعنايتها. ولا أخفي عليكم، مثلي مثل كل اهل المدائن المواقع السياحية والأثرية لا نراها إلا في الكتب والمجلات، إما ان تستطيع ان تزورها وتراها بعينك، فهذا من المستحيل، واجد ان العراقيين اقل معرفة بالآثار الموجودة في بلادهم، ليس لشيء ولكن لأنهم يربطون الآثار بالدين او المعتقد، ولهذا بقيت مهملة، او انها تعرضت للهدم والاعتداء من مرضى الطمع والربح القليل من خلال بيع تراب الاماكن الاثارية او زارعتها. ولم نشاهد وفودا او زائرين سوى قبل اسابيع شاركت مجموعة من الإعلاميين والكتّاب في رحلة نظمتها وزارة النقل لزيارة قضاء المدائن، وهي حملة تعريفية بالمناطق الاثارية والراقد وكنت مسروراً وانا ارى مختلف الشرائح ضمن هذه الرحلة، ليرى الآخرون قضاء المدائن على حقيقته خاصة بعد الاستقرار الامني وعودة الحياة الى طبيعتها.

وللارهاب دور تخريبي

 بعد ان اشبعتنا الصور التي خلفها الارهابيون حسرات ونحن نشاهد ما خسرت عليه الدولة وافنى الموظفون والعمال زهرة شبابهم من اجل زراعة المتنزه وبناء المرافق السياحية. ويقول علاء عبد الحسن لقد جبلنا على تدمير ما يخلفه من كانوا قبلنا ونحاول ان نطمس كل ما قاموا به من اعمال واعتقد اننا مجتمع يعمل بالضد من فطرة الإنسان وطبيعة تصرفاته في الاحوال كافة فنحن امة تحرص على ازالة اثار الامم الاخرى وعدم الحفاظ على الجذور للأجيال السابقة، فنحن نقتلع الاثار من الجذور بحجج وهمية لا اثر لها من اجل ان نقيم عليها مزارع او بنايات لا اهمية لها فنجد ان القضاء فقد ما هو اهم والان سوف يفقد آثاره وأخص بالذكر مآثر الصحابة الذين توجد مراقدهم في سلمان باك وتنتظر وزارة السياحة اعمالا كبيرة ومهمة من اجل اصلاح ما يمكن اصلاحه، فاين آثار الصحابة وكل ما يمثل الإرث الإنساني، قضاء المدائن غني بآثاره التي تمثل للأجيال السابقة واللاحقة مصدر فخر يمكن ان يدر الاموال ان استخدم قطاع السياحة بالشكل الصحيح.

بلاخدمات

ويقول المهندس عبد الكريم خضير كنا فيما مضى نسمع عن الاستعداد لافتتاح مطار في القضاء وبناء محطة كهربائية كبيرة وجسر يربط القضاء باليوسفية والشارع الدولي المؤدي الى محافظات الفرات الاوسط كان من الممكن في حال إنشاء هذه المشاريع التي مر على اقرارها او التخطيط لها اكثر من ثلاثين عاما ان تسهم في إعادة الزوار الى قضاء المدائن الذي تعود على استقبال الزائرين طوال ايام السنة وخاصة الجمع والعطل الرسمية فيعد القضاء متنفس بغداد ورئتها التي يلجأ اليها البغداديون خاصة وان في القضاء متنزه كبير جدا يحتوي على اشجار كبيرة ومتنوعة دائمة الخضرة وازهار غاية في الجمال، مبينا: حينما كنا نعبر الطريق الى قضاء المدائن في الفترة السابقة 2007 و2008 كنا نتوقع ان المدينة يسكنها اشباح، فمعظم البيوت خالية واشجار النخيل اصابها الوهن، بسبب الجفاف الذي تعيشه وانعدام الكهرباء وبعد هذه المعوقات والصعوبات والمخاطر التي ترونها وتسمعون عنها هل تتشجعون او تتحمسون لمرافقة اسركم وعوائلكم للذهاب الى المدائن من اجل مشاهدة آثار قديمة اهملت ومتنزه قلعت اشجاره وتوزعت اراضيه بين عدد من مجاوريه فيما جعلت الشرطة من الكازينو مركزا لها واصبح الفندق الوحيد مقرا لاحد الوية الجيش العراقي. ويقول عقيل ايدام”موظف”: مثلما قامت مدن اقتصادية في عدد من دول الجوار او مدن سياحية يمكن ان تطرح الحكومة العراقية أسهماً للاكتتاب فيها عن طريق شركات السياحة او مصرف الرافدين من اجل ان تلفت انظار المستثمرين ورؤوس الأموال، ومن الضروري ان تهتم هيئة السياحة والآثار بإقامة مدينة سياحية في المدائن تكون صالحة لاستقبال آلاف السياح على ان يتم تخطيطها وتصميمها وفق معايير بيوت الخبرة، ويتم إسنادها وتشغيلها من قبل جهات متخصصة، بحيث تقام مدينة سياحية متكاملة الخدمات، وترتبط كل الطرق المؤدية اليها بشوارع حديثة وآمنة، ولا بد من تفعيل الخطة التي بموجبها بناء مترو بغداد الذي تعد منطقة المدائن من ضمن المناطق التي يمر بها المترو،على ان يتم تحسين المحطات والاستراحات التي تقع في الطريق بما يتناسب مع الاسر والعوائل والاطفال من توفر المطاعم ومرافق الخدمات من دورات مياه ومراكز تسوق، وتحسن خدمات الاتصالات، فضلاً عن بناء فنادق ومرافق صحية وترفيهية يتطلب توفرها، والاهتمام بالمتحف الاثري وتوسعته وزيادة محتوياته بدلاً من مساحته الحالية. ويقول علي مهدي”متقاعد”: في قضاء المدائن وما يشكله من بعد تاريخي واثري ومراقد أئمة توجد فرصة كبيرة لهيئة السياحة لأن تخطط لإقامة مدينة سياحية متكاملة وتطرح اسهمها للاكتتاب ويتم استقطاب شركات ترفيهية عالمية لإدارتها، وتستفيد من اندفاع الناس لمشاهدة هذه الآثار وغيرها، وليس هذا بمستبعد او مستغرب او حتى مستصعب، فكثير من الدول فتحت غاباتها ومتاحفها امام السياح والزوار، ليس من الداخل فحسب بل حتى القادمين من الخارج، فهذه المانيا التي تعد صيدلية العالم، فتحت غابات بافاريا ومتاحفها للزوار، وأقامت مدناً سياحية لكسب السياح ولتملأ خزينتها من ايرادات السياحة ثم ان دولا مثل لبنان ومصر تعتمد على السياحة بشكل كبير. اما في العراق فان لم تبدأ هيئة السياحة وتخطو خطوات شجاعة بعيداً عما يروجه الكثيرون من معتقدات او افكار تجاه المناطق الأثرية والسياحية وخاصة في المدائن، وما لم تنظر بجدية إلى ان السياحة هي صناعة تخلق فرص عمل لآلاف العاطلين عن العمل وتجلب المال وتوعي المجتمع وتثقفه، فإننا سنبقى هكذا نتعامل معها على انها اماكن نذهب اليها لنضيع من وقتنا في حال عدم وجود عمل ما نقضي به وقتنا. ويقول سعد محمد”عاطل عن العمل”: ان عدم وجود بنية تحتية للسياحة في قضاء المدائن بعد ان تم تدميرها بصورة كاملة بعد الاحتلال الامريكي للعراق اكبر مشكلة من مشكلات تهميش قطاع السياحة في القضاء اضافة الى الاهمال الحكومي على المستويات الرسمي والخاص والأهلي، إضافة إلى الحال الأمنية. وهو أمر تؤكّده حال السياحة الأسرية الداخلية، خصوصاً في غياب سياسة سياحية شاملة تدعم مبادرات جذب الزوار لتخرج من نطاق الربح الفردي الضيّق. وأصبح الميسورون في اليمن يمضون إجازتهم في مدن عربية وأجنبية مثل الإسكندرية وبيروت وألمانيا وبانكوك. ويقول مالك احمد”صاحب مطعم”: كان السيّاح الأجانب يقصدون المدائن لاهتمامهم بآثارها التاريخية إلى جانب طبيعتها الخلابة، ومن شأن تأهيل البُنى التحتية وتوفير المناخ الحضري وإزالة العوائق والسيطرات من الشارع الرئيس ان يعزز السياحة ويعيدها الى سابق عهدها، إلاّ أن هناك عوامل كثيرة تبقي السياحة العراقية الداخلية في آخر الأجندة السياحية، أضف إليها إعادة اعتبار يوم السبت في المدارس يوم عطلة ما خسّر السياحة نحو 25 في المئة من الدخل، لتصبح مقتصرة على المناسبات، مثل عيدي الفطر والأضحى، علماً أن عدد زوار المدينة كان يزيد على المليون زائر في عيد نوروز فقط، فيما كان اهالي بغداد وفرق الجالغي البغدادي ينشدون”الما يزور الـسلمان عمره خسارة” في اشارة الى ما يتمتع به هذا القضاء من مكانة لدى جميع البغداديين بسبب الجو الرائع والبعد الحضاري ومراقد الصحابة والأئمة الاطهار في القضاء. ويقول عامر فياض”مزارع”: يمتلك قضاء المدائن اراضي واسعة ويمر فيه نهر دجلة كأنه حية تتلوى بين العشب لكثرة تموجاته وانحناءاته في القضاء وفيه انهار ومشاريع اروائية متعددة تعيش فيه جميع القوميات العراقية ففيه العرب والتركمان والاكراد والايزيديين والمسيحيين والاشوريين وجميع عشائر العراق لها عمق وتواجد في القضاء لذا نجد ان تقاليده وعاداته متنوعة، وينتج محاصيل وفيرة ومنتجات ممتازة ذات جودة عالية وكانت تسد حاجة العاصمة بغداد من الخضراوات والمحاصيل الزراعية. ويبقى التساؤل قائما هل يمكن ان تعيد وزارة السياحة ووزارة البلديات ومجلس محافظة بغداد قضاء المدائن الى سابق عهده وليس افضل مما سبق؟ وهل يمكن ان نرى ناطحات سحاب وابراج كما في مدن وبلدات كانت حتى وقت قريب مجرد صحراء تتناقل الرياح ذرات رمالها؟ وهل يستطيع البغداديون ان يلجأوا الى المدائن من اجل ان يرتاحوا من عناء العمل طوال أسبوع كامل؟ انها مجرد تساؤلات تبحث عن اجابة او عن من يعمل من اجل تحقيقها ليجعل منها حقيقة على ارض الواقع والتاريخ في قضاء المدائن.

مقالات ذات صله