الكُتّابُ ورمضان … أجواء مفعمة بالألفة تساهم باستحضار الكثير من ذكريات الزمن الجميل

بغداد_ متابعة

لشهر رمضان صلةٌ متينةٌ بالأدب؛ بل إنه شهرًا شِعريًّا ذا جماليةٍ عالية عمادُها التكثيفُ والحَبْكُ والخيالُ وقانونُ النُّدْرة، فكلُّ يومٍ منه إنّما هو بيتٌ مكتوبٌ بأسلوب الصّبر والتقشُّف، بيتٌ فيه نظامٌ إيقاعيٌّ ذي قافية تتردّد مع كلّ مساء ويعلن عنها الأذانُ لتُمثّل وقفةً لاسترداد النفس وتقوية الهِمّة. ولا تخلو مدوَّناتنا المدونات الأدبية من حكايا أدبيّةٍ أبطالُها الكُتّابُ والشعراء.

يقول محمد الغربي عمران- روائي من اليمن , في صنعاء لا ليل لنا في رمضان، ولا يختلف عنه الأمر في الفطر، فما بالك بمدينتي الصغيرة «ذمار» الواقعة إلى الجنوب من صنعاء100 كيلو وعادة ما أقضي أيامي بين صنعاء وذمار والقرية هناك وسط جبال داكنة. عادة ما يموت الليل في شوارع صنعاء مع العاشرة أو الحادية عشرة.. فصنعاء منذ عقود لا دور سينما فيها ولا مسرح ولا منتديات ثقافية تنشط ليلا.. والمتنفس الوحيد هو أن تقضي ليلك أمام التلفاز أو بين ماضغي القات حين يتجمع في دواوين يتابعون قنوات التلفزيون.
يمثل رمضان بالنسبة إليّ شهر عذاب في ظروف أقل ما توصف به هو كونها صعبة.. ولذلك نحاول ومجموعة من الأصدقاء ممن لا يتناولون القات أن نخلق لنا مداراتنا المختلفة. ففي الوقت الذي يغادر الناس الشوارع لتناول وجبة الإفطار بعد اذان المغرب نجول في أزقة صنعاء العتيقة وأزقتها تلك اللحظات لا أحد غيرنا يجول .. نعرج على مطاعمها الشعبية لنتناول وجبة الإفطار وبعدها نكل تطوافا في سكينة مدينة عمرها آلاف السنوات , وهكذا تكون لنا مساءات في مدينة يهجر شوارعها أهلها كما يهجرون مقاهيها ومنتدياتها في ليالي رمضان.
إلا أن متعة رمضان في صنعاء لا تتجلى في الأوقات المسائية، بل في تلك النهارات الهادئة من ضجيج السيارات وضوضاء الشوارع.. خاصة في بداية النهار حين أجد متسعا من السكينة والهدوء لأواصل قراءاتي وكتاباتي، حيث تبدأ دوائر السلطات دوامها اليوميّ مع منتصف النهار، كما تفتح المحال التجارية أبوابها مع النصف الثاني. ويتركون لنا النصف الأول منه.
رمضان يمثل لي كابوسا مختلفا عن شهور السنة.. لكنه يعطيني تجددا كما يجعلني أدرك روعة بقية شهور السنة … وأعيشها بشغف وأحاول أن أتأقلم مع شهر مختلف وأعيشه بشكل مختلف مع قلة من الأصدقاء. ممّن لا يمضغون القات.

اما وداد طه – روائية فلسطين- كهدوء كرسيّ وحيد أمام البحر، كرسيّ يذكّر أنّ ثمّة ثرثراتٍ كانت، أو يوحي بأنّ ثمة انتظاراً لبعيد مّا، كرسيّ ساكنٍ ووحيد أمام الشّمس، متروك على ضفّة الزّمن، مشرّع على حدّيْ الأنا، الماضي والآتي، فيما الحاصل مشغول بذاته ولاهٍ عن التّفكير، هكذا يكون يومي في رمضان.
أنا امرأة بسيطة، يومي عاديّ، أعمل وأمارس رياضتي، أقرأ قليلاً وألهو، أهاتف الأصدقاء وأعدّ وجبة صغيرة إذا سمح لي الوقت. لكنّني بتّ ألاحظ أنّي أنتظر رمضان لأمتلئ بالحركة، الآن وأنا أكتب هذه السّطور أفهم أن الطّاقة التي أحياها في هذا الشهر طاقة الكون الجميل، السارح نحو الله، المنتظم والآسر، فكلّ شيء، التفاصيل كلّها تتخذ شكلاً آخر ومعنى آخر. فمثلاً أخبّئ ما أريد أن أنهيه بحرفيّة وصفاء إلى رمضان، إذ إني أنهيت رسالة الماجستير خلال الشّهر منذ ثلاث سنوات، كيف لا أنا أعرف ولا عتبة بيتي التي كنت أجلس عليها تعرف. في رمضان أنهيت كتابة روايتي الثّانية «وأخون نفسي» تزامناً مع أبحاث أخرى وقصص قصيرة أخرى، كنت أجلس تحت شجرة الياسمين بعد صلاة العشاء، وأكتب أكتب، وكان شعاع القمر الشّفيف مؤنساً.
أنتظر رمضان للدّعاء، عندي طقوس أشتاق إليها وأشعر أنّ رمضان وحده يعطيني ذلك الإحساس بفيض الرّوح حين أناجي ربّي. قد يعييني انقلاب اليوم والسّهر طيلة الليل، لكنّي ألتذّ بانتظار الغروب، وأتعمّد أن أخبّئ أمنياتي في جيبه، لا أختلف مع البسطاء في شيء من عاداتهم الرّمضانيّة، ولا أعتقد أنّ أيّ باحث عن الحقيقة في أيّ دين سيختلف معنا في الإحساس بروعة المناجاة والشّعور بدنوّ الله من القلوب.
وفي رمضان يرفّ جناحا التّأمّل، فأنا أحلّق عادة من دون أن أشغل فكري كثيراً بالتّفاصيل، لعلّ يقيني أو شجاعتي مبالغ فيها أحياناً وهذا السبب أنّي أقدم عادة، أما في رمضان فأفكّر، أقرأ بتأنٍّ، أطالع الوجوه بحرص، أرنو بتؤدّة إلى الأصوات، ألتقط شيفرات الأحلام، أنغرس في ذاتي وأغربل رمالها، أتّخذ القرارات بصفاء غريب وسلام. رمضان يجعلني أعقد مصالحة معي وأنفتح على المجهول إليّ بوعي وصفاء وإقبال شهيّ على الحياة وأنا متحرّرة من خوفي ومن لامبالاتي كإنسان…رمضان موعد سنوي لتجديد العلاقة بالحاصل الملهوّ عنه فينا..بيومنا الذي هو عمرنا.

من جانب اخر يرى محمد فتيلينه – روائي الجزائر- ان لكل كاتب طقوس في الكتابة ولكل مهتم بالأدب وعوالمه عادات في القراءة. ووسط تلك العادات هناك أمكنة بعينها يرتادها الكاتب ويختار لها أزمنة تحمل هي الأخرى خصوصية بذاتها. من تلك الأزمنة المصاحبة للعالمين العربي والإسلامي في كل عام شهر رمضان. المرتبطة أيامه ولياليه لدى المسلمين بالمثابرة وبالتأمل، فهو إذ يمثل لهم أكثر من احتفاء روحي وقربى للخالق، فإن أجواءه المفعمة بالكثير من الألفة والنوستالجيا، تساهم في استحضار الكثير من ذكريات الزمن الجميل وعبقه عبر التقاء الأجيال حول طاولة واحدة مع ساعة الغروب، ترسيخا للألفة الاجتماعية. ولا أشذ عن قاعدة اللقاء بالأهل ككل واحد مرتبط بالجذور، عبر مسامرة الكبير لمتابعة تفاصيل العمر معه، والإصغاء إلى الصغير وهوسه بقناديل الشهر المميز.
ووسط الارتباط الروحي والتاريخي لهذا الشهر يسكنني إغراء لا يقاوم، مبعثه سحر التراث العربي الزاخر بصنوف الكتابة ومجالاتها المتنوعة. فتجذبني حاسة القراءة دون كلل كي أقلب في ساعات السحر على أعاجيب كليلة ودمنة، وأحجيات ألف ليلة وليلة، وقصص الأميرة ذات الهمة، ومغامرات فرسان بني هلال، وأنقب في عوالم تلك الصفحات عن درر قد لا تكون الذاكرة دوّنت بريقها. يبدأ النهار مع استرجاع صفحات من أعاجيب القصص التراثية، وتدوين ما علق في الذاكرة. لتنتهي ساعاته بملخصات تشوشها من حين إلى حين خربشات على الهامش، تجعلني استدعي أسئلة لتحضير ما قد ينقص رفوف الذاكرة عبر موعد ليلي آتٍ. وهكذا تستمر الحكاية الرمضانية حتى غروب الثلث الأول من رمضان لتنتهي القراءات على ثلاث أو أربع تراثيات، قد يسعف قلمي الجهدُ وساعاتُ الصبح بتدوين كراسات صغيرة تلخص الحكايات وتنعش القراءات النقدية الأولية لاحقا.

مقالات ذات صله