“الكولونيا” والعود.. أجمل عطور الطيبين طواها النسيان بعد انتشار العطور العالمية

بغداد ـ متابعة
اهتم الإنسان منذ القدم بالعطور ذات الروائح الجميلة التي تريح النفس وتزيدها بهجة وسروراً، وقد ولع العرب بالطيب والتطيب حتى أصبح أحد مظاهر حياتهم اليومية، وتفيد بعض الدراسات بأن للطيب دوراً كبيراً في حياة المجتمع العربي والإسلامي، فقد استعملوه في شتى المناسبات المحمدة منها خصوصاً والحزينة، ففي العصر الإسلامي ازداد اهتمام العرب بالطيب فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب الطيب كما ورد في حديثه (حبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) كما تحرص النساء أيضا على حرق بخور العود كل مسـاء حتى أصبحت الرائحة الزكية شيئاً مميزاً للبيت العربي، ومظهراً من مظاهر الترحيب بالضيوف، وفي الماضي القريب كان الناس يحرصون على وجود العطور في البيت على قلتها، ومن أقدم أنواع الطيب ما كان يصنع ويخلط من قبل النساء في بيوتهن ومن ثم يقمن ببيعه، وكانت الخلطة بسيطة اذ تحتوي على مواد كانت متوفرة وإن كانت بقلة مثل (المعمول) والذي يصنع من (الظفر) وهو عبارة عن مادة تستخرج من القواقع التي تحضر من البحر، و(ثمر) وهو ورد من بعض النباتات البرية، و(محلب) و(ريحان) و(شمطري)، وبعد خلط هذه المواد وبكميات مقدرة ينتج من ذلك معمول يتم التطيب به ووضعه في مفرق الرأس أو خلف الأذنين، مما يعطي من يدهن به ريحة طيبة تبقى لفترات طويلة، وبعد ذلك عرف الناس أنواعاً جديدة من العطور مثل (الجاوني) بنوعيه الأحمر والأسود والند والزباد العماني والعنبر ودهن العود، وأخيراً تم استيراد أنواع من العطور الصناعية وكان أولها (ليفدور) و(أبو طير) و(الكولونيا) و(البرازيلي) إلى أن انتشرت العطور العالمية بشتى أنواعها والتي لم يعد أحد يستطيع حصرها لكثرتها.

عطور زمان
قبل معرفة الناس للعطور الحديثة كان هناك عطور محلية الصنع من البيئة المحلية مثل (المعمول) والذي يصنع من خليط بعض النباتات مثل (ثمر) وهو ورد من بعض النباتات البرية، و(محلب) و(ريحان) و(شمطري)، إضافة إلى (الظفر) وهو مادة مستخرجة من (القواقع) البحرية، وقد يضاف إلى الخليط دهن العود مما يضفي عليه رائحة طيبة وعبقة، كما كان من العطور المشهورة (الزباد) والذي يعد من أبرز العطور المستخدمة لتعطير النحر والرقبة والخد كما يوضع خلف الأذن ويدهن به الشعر لإكسابه اللمعان والرائحة الطيبة وهو ضروري لتعطير (العروس) يوم زفافها ويكون ممزوجا بالزعفران فيكتسب جانبا الرقبة وتحت الأذن اللون البرتقالي نتيجة تعطيره بالزباد والزعفران والزباد سائل دهني عطري مصدره حيوان يشبه القط يعيش في الهند وشرق آسيا وأفريقيا، كما يعد الزباد أحد المواد المهمة جدا في صناعة العطور العربية التقليدية القديمة مثل المخمرية والمخلط لأنه فضلا عن رائحته العطرة يستخدم لتثبيت وتركيز روائح العطور الأخرى ويحفظ الزباد في (علبة) خاصة به وهي عبارة عن قارورة زجاجية مستديرة الشكل خاصة بحفظ الزباد ذات فتحة واسعة قليلا وذلك لأنه يكون على هيئة كتل زيتية عند استخلاصه.
ومن العطور القديمة المنتشرة قديماً المبثوث وهو عبارة عن بقايا العود الذي يوضع في البخور بحيث تجمع هذه البقايا وتعجن في دهن عود ويضاف إليها بعض النباتات العطرية مثل الريحان ويضاف إليه دهن الورد والمسك ومن ثم تبخر به البيوت ولا يقدم للضيوف بل هو لتطييب الملابس والمنازل، ومن العطور التي عرفت أيضاً قديماً (الجاوني) وسمي بذلك لأنه كان يستورد من (جاوه) وله لونان أحمر وأسود، ويستخدم أيضاً لتطييب رائحة المنزل والملابس فقط، (العنبر) .

العود
عرف العود منذ القدم وهو يستخرج من شجرة والمصطلح العلمي لشجرة العود بمسى بـ (اقوالوريا) وهي شجرة من أصل 15 شجرة موجودة بالعالم كله حيث انقرض أغلب الأشجار بسبب اقتلاعها لاستخراج الدهن والبخور، وشجرة (اقوالوريا) يصل عمرها ما بين سبعين إلى مئة عام والذي ينمو في المناطق الاستوائية الرطبة الممطرة بكثرة وتشتهر به مناطق شرق آسيا وخاصة (فيتنام وإندونيسيا والهند وكمبوديا وتايلند) وهو ينمو بسرعة عالية جدا خاصة إن توفر المناخ الجيد ويصل نموه واكتماله في خلال ثلاث سنوات فقط، وتعتبر ماليزيا وإندونيسيا المصدرين الرئيسيين لهذه التجارة خاصة لدول (الخليج)، ولقد اكتشف الباحثون آثاراً للشجرة كانت تزرع بجزيرة العرب والتي انقرضت عبر السنين مع الحيوانات الأخرى (وهذا أحد أسباب اهتمام أهل الجزيرة بالبخور والعود)، ويعد سعر(العود) مرتفعاً خاصة الجيد منه وذلك بسبب طريقة استخراجه الذي لا يكون إلا عن طريق قطع الشجرة فليس بكل الحالات يتم إيجاد خشبة البخور داخل الشجرة بل من بين كل عشر أشجار يوجد بإحداها العود فقط، وهي توجد تحديدا داخل الأشجار المعمرة وفي منتصفها بالتحديد ولا يمكن تحديد الشجرة التي تحتوى على البخور إلا عن طريق الخبراء فقط، وعند الحديث عن العطور قديماً فلا بد أن يكون البخور أو العود هو أهمها على الإطلاق فلا يكاد يخلو منه بيت فقد اقترن اسمه بالكرم ولذا صار تقديمه للضيوف عادة وتقليدا منتشرا، وأشهرها العود الهندي الذي يعد من أجود أنواع العود من حيث الجودة والرائحة العطرة، لكنه باهظ الثمن نظرا للإقبال الشديد عليه وبسبب وضع قيود على استيراده من قبل الحكومة الهندية، ثم يأتي في المرتبة الثانية العود (الكمبودي) الذي لا يقل أهمية عن العود الهندي ويتميز بثقله ومتانته وهو أكثر الأعواد شهرة في دول الخليج العربي وأسعاره متفاوتة بحسب درجة ثقله ومتانته.

الجودة
نظراً لكون العود الذي يستخدم للبخور يعد رمزاً من رموز الكرم إلى يومنا هذا حيث لا تخلو منه مناسبة فقد بات الجميع يحرصون على اقتناء الجيد منه ويصفون الجيد منه بـ (العود الأزرق) وهو الذي يميل لون دخانه إلى اللون الأزرق ويمتاز بأن رائحته تزداد كلما زاد احتراقه كما يتميز بكثرة فقاعات الدهن عند احتراقه .
وقد كان العود في الزمن السابق لا يباع منه إلا النوع الجيد إذ من النادر أن تجد نوعاً رديئاً أو مغشوشاً، ولكن في أيامنا هذه انقلبت المعادلة رأساً على عقب فبات من النادر أن تجد العود الجيد بثمن معقول، وانتشر الغش في كل مكان وصار من الصعوبة بمكان التمييز بين العود الجيد من الرديء إلا لمن يملك خبرة طويلة مع مرور السنين، وأصبح من يريد الشراء لا يشتري إلا من أصحاب الثقة وإلا وقع فريسة سهلة للمحتالين، خصوصاً بعد أن ظهرت أنواع من العود لصناعي الذي يشابه الطبيعي بشكل كبير.

العطور العالمية
مرت العطور كغيرها من المقتنيات التي يحرص الناس عليها بالكثير من المتغيرات كغيرها حيث تعددت أنواعها وأسماؤها فبعد أن كانت محصورة في البداية بأسماء قليلة عند بداية استيرادها مثل (ليفدور) و(كولونيا) و(البرازيلي) و(هب النسيم) و(الياسمين) باتت اليوم تحمل أشهر العلامات العالمية من الدول الأوربية خصوصاً وغيرها ممن برعوا في صناعة العطور وتعد مدينة (غراس) في فرنسا عاصمة العالم في صناعة العطور، إذ تمتد حقول الأزهار لأميال حول هذه المدينة الصغيرة الواقعة في مقاطعة (بروفانس) في جنوب فرنسا، لكن لكثرة أنوع العطور فقد طالها الغش كما طال عود البخور، فأصبحت هناك ماركات مقلدة وعطور مغشوشة مما يجعل المرء يقع في الحيرة عندما يهم بشراء عطر اذ لا يجد له سوى التوجه الى المحلات المشهورة والموثوقة في تقديم أرقى أنواع العطور ولكن بثمن باهض، ولكن تبقى العطور الطبيعية هي أفضل العطور التي يقبل عليها كبار السن خصوصاً مثل دهن العود والمسك بأنواعه.

مقالات ذات صله