“القفاصة”… احتيال على المواطن والقانون بطرق تفوق ملتوية

بغداد_ متابعة

يرى العديد من الأشخاص إن النصب والاحتيال حرفة لا يستطيع مزاولتها إلا الأذكياء سيما أنها وحسب ما يعتقد متقنيها فنا من فنون الحياة بحاجه إلى موهبة خاصة.

أبو فارس احد أكثر الأشخاص الذين وصفو بالمكر والاحتيال حتى ذاع صيته بين الكثير قبل أن يتوب إلى الله ويتبرأ مما أقدم عليه في أيامه السالفة، لكنه امتنع عن الحديث معنا إلا بعد أن اتفقنا على تسليمه مبلغ عشرة آلاف دينار يستلم نصفها بعد إكمال إجاباتها عن أسألتنا، ويروي لنا ابرز عمليات النصب والاحتيال التي أقدم عليها فيقول، “في إحدى المرات اتفقت مع صديق لي إن نخرج إلى بادية بعد أن ضاقت بي السبل وانكشاف أمري لدى اغلب أهالي المدينة، وأنا ارتدي الدشداشة والغتره والعقال للتمويه، وكان صاحبي يملك سيارة حمل صغيرة نوع تويوتا، وبعد أن توغلنا في الصحراء رصدت احد رعاة يصطحب قطيعا كبيرا من الغنم، فطلبت من رفيقي أن ينزلني على مسافة قريبة منه لكي أتمشى نحوه، ويعود لاصطحابي بعد ساعة واحدة”.

ويسترسل أبو فارس خلال حديثه ، “ترجلت من السيارة وتوجهت صوب الراعي ، فألقيت عليه السلام وبدأت الحديث معه بلهجة بدوية مدعيا اني من سكنة البادية، وابحث عن راعي يعمل لدي تأخر عن العودة، وبعد أن اطمئن الي أخرجت علبة كانت بصحبتي فيها مخفوق من الدبس والراشي كنت قد دسست معهما حبوب هلوسة ودعوته لتناولها معي”.

ويضيف ابو فارس بعد أن أطلق قهقه وهو يضحك مرددا في الوقت ذاته كلمات الاستغفار، “بعد فترة وجيزة بقيت أتمعن في وجه الراعي وهو يلمز ويغمز ويضرب بعصاه الأرض متخيلا ان احد الخراف بجانبه، على الرغم انها كانت تبعد مسافة عشرة أمتار تقريبا عنا، فأدركت انه بدأ يهلوس ولم تمضي سوى دقائق حتى عاد لمحت صاحبي قد رجع، عندها أطلقت له إشارة، ليتوجه صوبنا وبعد أن سلم على الراعي بدأنا نحمل الأغنام في الشاحنة والراعي يساعدنا في ذلك، فودعناه وهو يعرض علينا ضيافته وهو يرتجينا تكرار الزيارة ويصيح وراءنا مع السلامة، فتوجهنا إلى اقرب ساحة لبيع الأغنام”.

ومن أمثال أبو فارس هناك العديد من الأشخاص الذين يمتهنون النصب والاحتيال (التقفيص) وهم على مستويات مختلفة، بحسب نوع وطبيعة عمليات النصب التي يقدمون عليها، فيما يبرر أحد القفاصة الذي رفض ذكر اسمه أفعاله بحجج يراها منطقية فيقول، “نحن لا نقدم على سلب الضحية كل ما يملك، صحيح إننا نستغفله ولكن بشي بسيط لا يكاد يكون مؤثرا عليه، ونرضى بالقليل”.

أما اصل تسمية التقفيص فيعود إلى كلمة القفص، باعتبار إن الضحية يستدرج إلى الخديعة بملء إرادته عبر وسائل الإغراء، كما هو الحال باصطياد الفأر بقطعة الجبن توضع داخل القفص.

من جهتهم اعتبر بعض المواطنين تلك الأعمال بالإجرامية إنها لا تختلف كثيرا عن عمليات السلب والسرقة المنظمة، فيصف زكي محمد الذي سبق وان تعرض لعملية احتيال، “مثل هؤلاء الأشخاص أشبه بالحشرات التي تقتات على دم الإنسان، فالاثنان حسب وصفه يستغلون غفلة الإنسان لسرقته، وعن طبيعة ما تعرض له يقول، “في إحدى المرات عندما كنت أتجول في مركز المدينة شاهدت تجمعا من خمسة الى سبعة أشخاص يتوسطهم رجل يحمل بيده ثوبا نسائيا فاخر وهو يدعو الناس للمزاد على سعره بمبلغ ألف دينار فقط  فطمعت في ان احصل عليه بثمن زهيد سيما ان قيمته تتجاوز الثلاثين ألف دينار واستمر الأشخاص بالمزاد وأنا أزيد الثمن كلما نافسني احدهم عليه حتى رسي الثوب علي بمبلغ ثمانية عشر ألفا”.

ويستطرد محمد ، “شعرت بسعادة مفرطة لاعتقادي إنني كسبت ثوب جميل بثمن زهيد، وسوف اسعد به زوجتي وازرع على شفاهها البسمة التي نادرا ما أراها على وجهها”.

ويضيف، “سلمت المبلغ وأنا استعجل البائع استلام الثوب قبل أن يقوم بوضعه في كيس بلاستيك، وأحث الخطى لمغادرة المكان بسرعة، وبعد أن ابتعدت عنهم قمت بتفحص صيدي الثمين وأنا فرح جدا، إلا أنني صدمت بالثوب الموجود في الكيس عبارة عن خرق قماش بالي ومتهرئ وليس الثوب الذي اشتريته”.

ويختتم محمد، “عندها عدت أدراجي راكضا صوب المكان الذي اشتريت فيه الثوب، فلم أجد أحدا هناك، فأدركت إني وقعت نتيجة طمعي في مكيدة دبرها الأشخاص الذين كانوا مجتمعين، وحالي كحال حنين ولكن بثوب متهرئ بدلا من خف”.

أما حسين مهدي الذي تعرض إلى النصب والاحتيال من احد أصدقائه المقربين كما روى لنا فيقول، “جمعت مبلغا من المال لكي اقتني سيارة عائلية لكي أتخلص من معاناة المواصلات من جهة وتلبية احتياجات المنزل من جهة أخرى، فقصدت صديقا لي يمتهن المتاجرة بالسيارات المستعملة، وأخبرته بذلك فعرض علي سيارته الخاصة لكي اشتريها، وكنت اعلم إن صديقي نادرا ما يصدق في حديثه أثناء بيع أو شراء السيارات، فراودني شك من انه قد يخدعني وصارحته بذلك، رافضا شراء السيارة منه”.

ويسترسل مهدي، “إلا إن صاحبي اخذ يلح علي لشراء السيارة وهو يقسم لي بأغلظ أنواع اليمين ويردد باللهجة العامية الدارجة، (وحق هذا العباس هاي السيارة بيهه خبزة)”.

وينوه مهدي، “والمقصود حسبما هو دارج في عبارة (بيهه خبزة) إن قيمة الشيء المراد شرائه يساوي أكثر من الثمن المعروض به، ودليل على جودته أيضا”.

ويشير مهدي، “عندها وثقت بصاحبي واشتريت سيارته منه وأنا مرتاح البال، إلا إنني تفاجأت بعد عدة أيام وأنا أقوم بغسل السيارة بقرص من الخبز موضوع تحت كرسي السائق”.

من جهته يشير لطيف القصاب الذي يعمل باحث اجتماعيا في مركز المستقبل للدراسات والبحوث إلى كون هذه الحرفة تعود بتاريخها إلى مئات السنين وتتباين في الانحسار والانتشار حسب الظروف الاقتصادية التي تمر بها المجتمعات، فيقول، “فيما يخص ما يصطلح عليه في الوقت الحاضر محليا بالـ(التقفيص) فلها جذور تاريخية تعود حسب المؤرخين إلى العهد العباسي، حيث كان يطلق عليهم بالشطار والعيارين والحيالين”.

ويضيف القصاب ، “اصل كلمة الشاطر في اللغة العربية هو اللص، إلا إن بفعل التحول اللغوي عبر الأجيال وبمرور الزمن باتت تلك الكلمة دلالة على النباهة أو التفوق والذكاء بحكم خفة الظل التي تتبع الشطار أو العيارين حسبما كان يطلق عليهم”.

وينوه أيضا، “غالبا ما تزدهر تلك الممارسات في الأوساط المسحوقة والطبقات التي تعاني من ظروف اقتصادية متردية، وفي أوقات الفاقة والفقر”.

ويضيف القصاب، “مع مرور الزمن يبتكر الحيالة أو القفاصة كما يطلق عليهم ألان أساليب جديدة في الاحتيال والخداع والضحك على الذقون، وغالبا ما تكون دوافع من يقدم على تلك الأفعال هي الحاجة أو العوز، إلا نفر قليل منه غايته التسلية فقط”.

ويختتم القصاب، “هؤلاء الأشخاص دائما ما تستهدف حيلهم البسطاء من الناس أو قليلو الوعي أو الإدراك مثل الشباب والجهلة”.

من جانبه وصف الرائد الحقوقي بهاء المسعودي ان قانون العقوبات العراقي لم يسن إجراءات رادعة حسب رأيه لتلك الممارسات الغير قانونية، سيما مرتكبيها لا يخضعون لسلطة الشرطة أو دوائر مكافحة الجريمة فيقول، “تلك التهم تخضع لقانون التعامل التجاري المدني حصرا، وتكون من اختصاص محاكم البداءة المدنية، ولا تصنف ضمن الجنح القانونية 456 و475 الخاصة بالنصب والاحتيال”.

ويضيف المسعودي، “يكون دورنا فقط هو جلب المتهم في حال عدم مثوله للاستدعاء الصادر من محاكم البداءة”.

وينوه أيضا، “كما القانون العراقي يوجز فترة الحبس لمن تثبت عليه التهمة من فترة أربعين يوما إلى أربعة اشهر فقط”.

ويلفت المسعودي ، إلى انحسار ظاهرة (التقفيص) خلال السنوات الماضية القليلة، عازيا ذلك إلى تحسن الظروف الاقتصادية في البلاد فيقول، “باتت تلك الممارسات غير القانونية معدودة ، سيما أنها غالبا ما تتفشى بسبب العوز والحرمان وانتشار الفقر، إلا إن الظروف الاجتماعية والاقتصادية باتت بتحسن مستمر وهي السبب في انحسار حالات الاحتيال”.

مقالات ذات صله