القرنة مدينة أبحرت في سفر التاريخ

 كتب – مؤيد عبد الوهاب

هي مدينة وموقع من الأرض المخضبة بالخضرة والمغمورة بالمياه والموشحة شواطئها بالنخيل تكاد تحسبها العين قبس من الفردوس. ارض تقع اليوم على بعد 75 كيلومتر شمالي مدينة البصرة. وكان قد ورد ذكرها في الأساطير وفي الذاكرة الشعبية بأنها مهبط الحياة على الأرض ومكان لقاء ومكوث أدم وحواء فهنا الاقتران ومن هنا بدأت الحياة على الأرض. وكان الاعتقاد السائد بأنها نقطة التقاء نهري دجلة والفرات حتى حقبة قريبة مضت، وتوجد اليوم دراسات تحتمل التقاء النهرين في موضع على بعد 5 كيلومتر من جنوبها وبالتحديد في منطقة كرمة علي. ولفظ القرنة جاء من الاقتران وربما كان هذا يغني دعوى أسطورة اقتران أدم بحواء في هذا المكان.  كان الرومانيون يسمون محل اقتران الفراتين هذا في القرن الأول للميلاد (دقبة أو دجبة ) فقد ذكر المؤرخ (لين) في كتابه (المعضلات البابلية) نقلا عن التاريخ الطبيعي (لبلّيني) ما تعريبه : (وفضلا عما ذكر فإن في ما بين النهرين وعلى ضفاف دجلة وقريبا من اقترانه بالفرات موقعا يدعى “دكبه”،وفي القرن الثاني كان النهران يجتمعان عند مدينة (أفامية). ويمكن أن يرجع تكوين الأرض التي تقع عليها القرنة الى أزمنة تاريخية متاخرة نوعا ما وكان سببه الطمي والغرين المترسب في بحيرات (أهوار) المياه الواردة من الرافدين. ومن المعلوم أن النهرين كانا يصبان كل على حدة في مياه الخليج عندما كانت اور ميناء وثغر للسومريين على شاطئه في الألف الرابعة قبل الميلاد.  وفي عهد ياقوت الحموي، أي في القرن الثالث عشر للميلاد كانا يجتمعان في (مطارة) وقد جاء في (معجم البلدان) ذكرها هكذا: (مطارة أيضا من قرى البصرة على ضفة دجلة والفرات في ملتقاهما بين المذار والبصرة. وذكر (الحاج خليفة) في كتابه (جهانامه) (ان دجلة كانت تلتقي هي والفرات، في موضع يسمى (الجوازر) لان المياه كانت تجزر هناك فيظهر من ذلك أن محل اجتماع الفراتين تسمى بأسماء مختلفة اخرها (القرنة)).  ولا يعرف على وجه التحقيق الزمن الذي اكتسب فيه هذا الموضع إسمه الحالي، كما لا يعرف الزمن الذي تأسست فيه هذه القصبة، وقد قرأنا في رسالة كتبها الشيخ فتح الله الكعبي سنة 1667م وسماها (زاد المسافر ولهفة المقيم والحاظر) أن القرنة كانت قلعة صغيرة، فلما تولى البصرة علي باشا بن أفراسياب زاد فيها، وجعلها قلعة كبيرة فسميت (العلية) على أسمه، ثم زاد في تشييدها واتقانها حسين باشا ابن علي باشا هذا وجعلها ثلاث قلاع حصينة، فلما طوي بساط ال افراسياب استرجعت هذه القلعة اسمها القديم، وهو القرنة وكانت سلطة آل افراسياب قد دامت من عام 1596م الى عام 1667م ،وممن زار القرنة وكتب عنها الرحالة الفرنسي (تافرنيه) المتوفى عام 1689 وقد أطلق عليها القرنة وهذا يعني ورود اسمها في القرن السابع عشر. ثم تبعه في وصفها قليلا الرحالة الدانماركي نيبور عندما زارها العام 1766م. والقرنة اليوم حاضرة عراقية مهمة تقع الى الشمال من البصرة وتخطيط شوارعها بهيئة خطية وباستطالة من الشمال نحو الجنوب وشارعها الرئيس يتجه بنفس الاتجاه وتقع عليه معالم المدينة الحكومية والخدمية والتجارية. وكان حال المدينة يشكو الإهمال خلال الحقبة التركية بالرغم من موقعها المهم على النهرين، حتى غدت صعبة العيش فيها بسبب كثرة البعوض فيها الذي يقلق راحة ساكنيها. وقد بدا الاهتمام الفعلي بها بعد ثورة تموز عام 1958م حيث تم إنشاء جسر حديدي في القرنة طوله 310 متر ومجموعة من بنايات البنية التحتية والصناعية.  وفي القرنة آثار شجرة قديمة مشهورة عند أهلها باسم (البرهام) يزعم الناس أنها من زمن آدم أبي البشر، وتحت ظلالها الوارف تم أول لقاء له مع حواء ويقول آخرون بأنها تعود لحقبة السيد المسيح (ع)، فتراهم يشدون الخرق حولها، ويطلون بالحناء البناية المحيطة بها أملا في أن تقضي حاجاتهم، قد أصبحت مزارا لبعض السواح الأجانب الذين يهيلهم وقع الأسطورة وهيئة الشجرة المهيب فيتبركون بها، زاعمين إنها شجرة معرفة الخير والشر في أساطير الرافدين القديمة، فإذا مر أحدهم بها وقف إلى جانها هنيهة وشرب ما تيسر من المرطبات وانصرف. ويمكن أن يكون هذا الموضع للجذب السياحي لو أستغل مستقبلا.  وعلى مقربة القرنة تقع على شمالها الغربي (المدينة) – بالتصغير كجهينة – وهي تشمل قسما من ضفة الفرات اليمنى وقسما من ضفته اليسرى، ومركزها قرية كبيرة كانت حاضرة الجزائر في السابق، وكان فيها مقر الأمارة على ربيعة و الأهوار (البطائح) والجزائر، أما اليوم فهي مدينة صغيرة كمركز تجاري لقرى الفرات وهور الحمار. وفي اتجاه دجلة من ناحية الشرق عن القرنة تقع (السويب) – بالتصغير أيضا التي تمتد أراضيها على ساحل دجلة الأيسر، وساحل شط العرب الأيسر، وهي تحادد الأراضي الإيرانية عن طريق (الحويزة) وهورها، وتعتبر مركزا حضريا تتبعه أكثرمن ثلاثين قرية، ويمتهن أهلها الزراعة ولا يميلون الى التجارة، ومركز الناحية يقع فوق ربية مرتفعة يسمونها (التل) تقع على مسافة سبعة كيلومترات من شرقي القرنة.  لقد عانت القرنة خلال الحرب بين العراق وإيران خلال سنوات الثمانينات لموقعها القريب من جبهة القتال. واليوم تئن القرنة ونواحيها من الإهمال والفاقة ودرس معالمها البيئية والحضارية بعدما كانت جنة أدم على الأرض، والكل يرجو عودتها وعودة بهاء نخيلها والخضرة والأعناب والبيوت تحت ظلالها الوارفة في عراق المستقبل المورق المزهر.  وتعتبر القرنة من اغنى مدن العالم بالنفط تتبع إدارياً إلى محافظة البصرة ويبلغ عدد سكانها 450 الف حسب احصائية التعداد السكاني لعام 2014م. تبعد مدينة القرنة حوالي 40 كم عن الحدود العراقية الإيرانية. ومن أهم المناطق الإدارية التابعة لقضاء القرنة منطقة الشرش وطلحة والنهيرات ومزيرعة والسويب والنصير وحي السلام والثغر. كما يوجد حقل نفط غرب القرنة وهو من أكبر حقول النفط في العراق ويبلغ الاحتياطي المؤكد له 12 مليار برميل من النفط والتي كانت تستثمر من قبل الشركات الروسية في عهد نظام السابق ، ومن الشرق حقول نفط مجنون ومن الجنوب حقول نهران عمر يحيط المدينة من الغرب هور الحمار ومن الشرق هور الحويزة.وتوجد فيها مناطق خلابة تصلح لتكون محميات طبيعية وسياحية حيث الماء والبساتين وغابات القصب والثروة السمكية والأرياف الجميلة الواسعة. تمتاز المدينة أيضاً بكونها مدينة ذات طابع ومناخ زراعي جميل وكثرة النخيل فيها. من أهم أحياءها : * مركز القرنة – منطقة السوق * منطقة الشرش : وهي منطقة ذات طابع عشائري مثقف خرج منها كبار رجالات الدولة منهم (الأمير الشيخ علي هادي شلال الفضل الوائلي أمير عشيرة آل فضل والرئيس العام لعشائر الشرش، الشيخ المجاهد حجة الإسلام والمسلمين الشيخ حسن فرج الله، الزعيم (اللواء) خير الله حسين الفضل يعد من أول (21) ضابط في الجيش العراقي ، والوزير السابق الراحل ( فارس عيال الحسن )

. *  منطقة النهيرات – عشائر السعد) * منطقة هور السعد حي الجمعة حاليا) عشائر بني مالك والكعابنه وغيرهم من عرب الاهوار . وان لمدينة القرنة امكنة في غاية الاهمية وهي من اهم معالم هذه المدينة : *شجرة ادم: هي شجرة يعتقد اهل المنطقة انها نبتت في المكان الذي هبط فيه آدم عليه السلام إلى الأرض وصلى فيه نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام، *متنزة دجلة : وهو متنزه بني عند التقاء نهري دجلة والفرات ويقع القسم الأكبر منه على نهر دجلة يبلغ طوله 2600 متر وعرضه 28 مترا وهو مكان جميل . * شارع الكورنيش : بني على طول نهر دجلة بامتداد 2كم متر ويضم العديد من المطاعم والكازينوهات السياحية واماكن الترفيه .

 . * الاهوار :

 هي بقايا من حضارة سومر، وجنة عدن، وهي أماكن سياحية جذابة بطبيعتها الخصبة حيث المسطحات المائية التي تتخللها الكثير من الجزر، وهي تسمح للزائر بالإطلاع على العديد من أنواع النباتات المائية الفريدة ومنها القصب والبردي حيث كان السومريون يستخدمونه في الكتابة، والتعرف على العديد من أنواع الطيور، سواء الطيور الجارحة أو المغردة أو لممارسة هواية الصيد حيث طيور الحر، البط البري، الوز البري، البرهان، وعشرات الأنواع الأخرى. كما تشتهر الأهوار بأنواع عديدة من الأسماك النهرية مثل البني والشبوط والقطان، والبياح، والسمتي، والشلك، وأنواع أخرى منها ما هو قريب من الأسماك البحرية مثل الشانك، والصبور. ان زرت العراق ولم تزر الأهوار فكأنك لم تزر العراق.  وان مدينة القرنة طبعا من اغنى المدن في العالم بالنفط والغاز وتتوفر بها اراض خصبة للزراعة ومحال تجارية بكافة الأنواع وأكبر سوق للالبسة في البصرة هو سوق القرنة التجاري.

 القرنة مدينة الامس الابيض والحاضر الاسود

 ..! * القرنة فاتنة الماضي والامس الزاهر تحتضر اليوم وتئن من الإهمال والفاقة ودرس معالمها البيئية والحضارية بعدما كانت جنة أدم على الأرض، هذا بفعل سياسة المحاصصة المقيتة والتي اعطت الضوء الاخضر لتبوء الاشخاص غير المؤهلين لأداء مسؤولياتهم بحق المواطن ولا يمتلكون ادنى معيار للنزاهة والمهنية في تنفيذ واجباتهم امام الله والضمير الانساني، وكباقي أقضية محافظة البصرة، يشعر أهل قضاء القرنة بالاهمال والتهميش وعدم اهتمام المسؤولين بالخدمات فيه، الامر الذي دعا المجلس المحلي الى تعليق اعماله لفترة اسبوعين للضغط على الحكومة المحلية لتغيير بوصلة الخدمات المتردية في القضاء ، ويقول المواطن ابو عباس المالكي من وجهاء القرنة ان المسؤولين يعلقون اخطاءهم وسوء ادارتهم للخدمات بالموازنة وقلة التخصيصات وحالة التقشف جراء الفساد المالي والاداري الذي اوصل المواطن الى هذه الحالة ، لهذا بقيت كل البنى التحتية على حالها الذي يرثى له، ويذكر احد اعضاء المجلس البلدي ان المسؤولين في المحافظة لم يزوروا بعض مناطق القرنة التي تعاني من اهمال كبير منذ سنوات، مضيفاً: “مشروع مجاري القرنة سيغير وضع المدينة الخدمي من حال الى آخر، وهو يكلف مبلغا مقداره 408 مليار دينار عراقي، والمحافظ وعدنا انه سيتم التعاقد مع شركة لتنفيذ المشروع في شهر آب الماضي، ولكن لغاية الان لم يبدأ العمل به، وعند السؤال عن المشروع، فلا أحد في لجنة العقود الحكومية بديوان المحافظة يعرف شيئاً عنه ، من جهته يقول الحاج ابو علي ان المواطن يئس من المطالبة بحقوقه، لهذا فالصمت افضل، مبيناً ان قضاء القرنة الذي يُعدُّ ثاني أكبر قضاء في المحافظة بعد الزبير، مهمل بصورة كبيرة جداً الى ذلك قال رئيس المجلس البلدي في القرنة ان من واجبات الحكومة المحلية متابعة الخدمات في القضاء، مضيفاً: “المجلس المحلي عجز عن المطالبة بحقوق المدينة، ما تطلب اتخاذ اجراء جريء وهو تعليق العضوية لاكثر من اسبوعين الا أن الحال ما زال كما هو. ومن حق عضو المجلس البلدي ان يعرف التخصيصات المالية الممنوحة للقضاء والمشاريع التي خصصت الا أن المشكلة ان المجلس لا يعرف بكل ذلك ولهذا لا يستطيع اعضاؤه تقديم المقترحات وفقا للمبالغ المخصصة لأنهم لا يعرفون كم خصص لهم وطالب أن يسمح لاعضاء المجالس المحلية حضور جلسات مجلس المحافظة وذلك لتسهيل العمل لهم، وفي موقع شجرة ادم في قضاء القرنة شيدت وزارة الموارد المائية عام 2006 منتزها حولها بمساحة 2363 مترا مربعاً، وهو على شكل شبه منحرف في مكان يطل على موقع التقاء النهرين، لإعادته كأثر ديني ومنتجع سياحي.  ورغم ما أنفقته الوزارة ذاتها من اموال على مشروع المنتزه الذي بلغت كلفته الإجمالية 600 مليون دينار، وحولت مكان الشجرة من خربة إلى موقع سياحي وترفيهي وحديقة كبيرة لتكون متنفساً لأهل المدينة وزوار المكان، الا انه شهد خلال السنوات الثمان الماضية أضراراً كثيرة لم تعالج من قبل المعنيينمنها كسر مصاطب الجلوس وأضرار في حجر التغليف الخاص بموقع الشجر وكذلك السياج الخارجي والنافورة، فضلا عن انهيار ساحل موقع الشجرة وتساءل احد المواطنين “كيف لنا أن ننتظر من الموقع ان يكون جاذباً للسواح والجهات المعنية تهمل صيانة هذا الموقع السياحي الأثري رغم مخاطباتنا الرسمية المتكررة، يذكر ان مدينة القرنة تعد من المناطق الأثرية المهمة لوجود العديد من الآثار السومرية فيها، كتلول الحافظ في السويب، وتلول بن الإمام، وايشان سفحه، وتل عرار، وخيابر الهمايون، وتلول أبو واوي، وتلول سلمان ابن داود، وايشان النهيرات، وتل النخيلة، والى زمن ليس بعيد كانت رحلات السياح تتجه نحو القرنة استنادا الى شهرتها العالمية وتحديد موقعها في خرائط اﻻثار العالمية، فضلاً عن ذكر المدينة على لسان العديد من الرحالة والباحثين الذين وفدوا الى العراق في فترات بعيدة، الى جانب الرحلات الاستكشافية لها فهي مدينة الامس الابيض والحاضر الاسود .

مقالات ذات صله