القبانجي يعترف بسرقته ||خالد القشطيني

رغم مجيء محمد القبانجي الى لندن مرارا خلال وجودي فيها، فإنني لم احظ بشرف التعرف به. لم اكن عندئذ من عشاق المقام العراقي لأكلف نفسي بمشقة الالتقاء به. و لكنني بعد تعلقي بهذا الفن التقيت في لندن بظله، و ظله و ذنبه وكان صديقي ابراهيم رزوقي. تلقيت منه نتفا من انطباعاته و حكاياته عن سيد المقام العراقي.

كان القبانجي من الافذاذ القلائل الذين جمعوا المجد من اطرافه. كان يؤلف اغانيه و يلحنها و يغنيها. و هذا لعمري شيء نادر جدا في عالم الطرب و الموسيقى. وقد سأله ابو غدير يوما ما اذا كان طوال حياته الفنية المديدة قد اخذ شيئا من مطرب آخر. فأجابه ابو قاسم، نعم، مرة واحدة و كانت من احد كناسي الشوارع! كيف؟

لهذه الواقعة حكاية طريفة تذكرنا بحكاية الخليفة المنصور الذي كان يحفظ القصيدة اذا سمعها مرة واحدة . وكان له خادم يحفظها اذا سمعها مرتين، و خادمة تحفظها اذا سمعتها ثلاث مرات! ( على اعتبار ان المرأة اقل ذكاء من الرجل ، و الخادم اقل ذكاء من الخليفة امير المؤمنين!)

و كما قلت ، لم يكن القبانجي مطربا فقط، ولا شاعرا فقط ، و لكنه كان ايضا حفيظا للشعر. لا يسمع شيئا منه الا وحفظه. و حدث انه كان عائدا الى بيته ذات يوم فسمع ذلك الكناس يدندن مع نفسه خلال قيامه بعمله لعبوذية لم يسمعها محمد القبانجي من قبل. فتنحى الى جانب الرصيف و اطرق سمعا لها . فسمع الكناس وهو يدندن بهذه الكلمات:

بهواك انكسر قلبي ارباع و انصاف

من اشوفك اندهش و انذهل و انصاف

لو كان عندك مروءة و عدل و انصاف

ما كان تخون بعد العهد بيّ

سمع القبانجي هذه الكلمات و اهتز لها. فسأل الكناس من اين تعلمها؟ فقال له انه تلقاها في رسالة من اخيه الذي نظمها له خصيصا من مدينة العمارة. فعمد القبانجي الى مداعبته قليلا فقال له ” هذا اخوك غشك! هذي العبوذية معروفة و مسموعة . وانا شخصيا حافظها. و راح ابو قاسم ، وقد حفظها حال سماعه لها، فأنشدها له. فتعجب الكناس . وكان من عشاق الشعر الشعبي. راح يلعن و يسب اخاه. الذي خدعه بهذه الابيات القديمة و ادعاها لنفسه و خصه بها.

بيد ان القبانجي سارع الى تهدئة خاطره فاعتذر له و اخبره بحقيقة الأمر. و كيف حفظ العبوذية منه. و وعده بأنه بعد ايام قليلة سيغني نفس الاغنية من اذاعة بغداد. وهو ما كان. فوجيء العراقيون بهذه العبوذية الجديدة من مطربهم الأول. و فاتت ايام و جائت ايام ، واذا بمطربة  العراق الاولى سليمة مراد تطلع من اذاعة بغداد لتغني نفس الاغنية بنفس الكلمات: بهواك انكسر قلبي ارباع و انصاف…

و بعد تلك الايام، لا ادري إن كان احد من اهل الخير قد دفع شيئا عن  حقوق التأليف لذلك الفلاح العمارتلي البائس الذي نظم العبوذية و كتبها لأخيه الكناس في بغداد. و لكن الحقوق بيننا ضائعة يا سيدي. فأنا ايضا لم ادفع فلسا واحدا لصاحبي ابراهيم رزوقي الذي مدني بهذه الحكاية التي كتبت عنها في هذه الصحيفة!

مقالات ذات صله