العطلة الصيفية عندما تكون نقمة.. أطفال يعيلون عوائلهم لمواجهة متطلبات الحياة

بغداد_ فاطمة عدنان

تعني العطلة الصيفية بالنسبة للطلبة الشيء الكثير فهي محطة مهمة للاسترخاء والاستراحة من عناء السنة الدراسية الطويلة ومشقّة الامتحانات وهي كذلك فرصة كبيرة لممارسة الهوايات وتنمية القابليات الذهنية والبدنية الخاصة، لكن اليوم اصبحت ثقل كبير على اكتاف بعض الاطفال الذين يرسلوهم عوائلهم للعمل من أجل الحصول على دخل إضافي وربما وحيد يسهم في سد عجز مصروفات الأسرة أمام متطلبات وأعباء الحياة اليومية.

وأول من ابتدأنا الحديث معه كان علي عباس وهو مدرس ، قال: يجب الاستفادة من العطلة الصيفية بالنسبة للأطفال من خلال تنظيم الدورات، كدورات تعليم الحاسوب أو تعليم قراءة القران أو الاستعانة بمراكز الشباب لتعليم الأطفال رياضة السباحة أو الرسم أو مبادئ الخط العربي وغيرها، وذلك أفضل ألف مرة من ترك الأطفال عرضة لمغريات الشارع الغير جيد , لكن الوضع اليوم مختلف تماما خاصة في هذا الوضع امزري من جميع الجهات فقد اصبحت العائلة العراقية بحاجة لكل دينار وهذا مااجبر البعض على ارسال اطفالهم للعمل من اجل توفير لقمة عيش .

إما الطالبة (ليلى علي) وهي في المرحلة الإعدادية تؤكد  , إن العطلة الصيفية سابقا تعني الكثير حيث السفر أو التنزه في الحدائق العامة أو الذهاب إلى مدينة الألعاب إما ألان فالوضع مختلف حيث الحالة الأمنية المتردية تفرض على العائلة العراقية الكثير من العوائق وعدم الخروج للاماكن العامة لخطورتها، فالفتاة أصبحت حبيسة الدار تقضي معظم وقتها في التنظيف والطبخ وفي الأعمال المنزلية الأخرى، وبالإضافة إلى ذلك ففي البيت مشاكل أخرى تفرزها أزمة الكهرباء وشحة الماء، فإنها مشاكل تضاف إلى هموم العائلة العراقية المنهكة أصلا.

في حين يوضح , الطفل أحمد 11 عاما الذي يعمل بائعا في أحد محال بيع الخضار ويحصل على عشرة الف دينار كأجر يومي، يقول إن والديه موظفان، وله أربعة أشقاء اكبرهم في السادسة عشرة من عمره يعمل في أحد محلات النجارة ويعيشون في بيت مستأجر، إذ يعمل هو وشقيقه على مساعدة والديهما لمواجهة أعباء الحياة.

اما الطفل سامر 12 عاما الذي يسهم في مساعدة أسرته الفقيرة، على جر عربة خشبية في سوق الخضار مقابل أجر قيمته الف دينار من كل زبون يرغب بوضع مشترياته في العربة، ويقول إنه أحيانا يحصل على اكثر من عشرة الف دينار في اليوم الواحد.

وفي المناطق الصناعية يوجد العديد من الاحداث يعملون في البناشر والميكانيك وغسيل السيارات، حيث يقول الطفل سند 15 عاما انه يعمل مقابل اجر يتراوح بين 10 الى 15 الف دينارا يوميا ، حسب ضغط العمل، مبينا أنه يعمل بعد انتهاء دوام المدرسة، أما في ايام العطل فإنه يعمل طيلة النهار.

ويضيف أنه يساعد والدته في إعالة الأسرة، وإنه تعلم الصنعة وأتقنها جيدا، ويقول إن مستواه الدراسي متوسط ولا ينوي الدراسة بالجامعة لان هذه المهنة – بحسبه – مربحة أكثر.

وفي احد صالونات التجميل تعمل نهى 15 عاما على تنظيف الشعر الساقط على الأرض جراء عمليات القص، وتعد القهوة أو الشاي للزبائن مقابل 50 الف دينارا في الأسبوع، ومدة عمل من الساعة 11 صباحا حتى السابعة مساء، إذ تقول إنها تعمل فقط في ايام العطل بهدف التسلية وتعلم المهنة اضافة الى توفير مبلغ من المال تشتري به ما تشاء.

ويكثر وجود الأطفال بين سن العاشرة و16 عاما على الإشارات الضوئية يبيعون العلكة او الأزهار او الألعاب البسيطة للاطفال، وما ان تقف السيارات على الإشارة الا وتجد العديد منهم ينتشرون حولها يتوسلون البيع بإلحاح كبير يضطر فيه سائقون الى الشراء.

استاذ علم الاجتماع المشارك والمتخصص في قيم العمل الدكتور حسين قاسم يقول إن أنماط التنشئة التي يتشربها أبناؤنا بخصوص العمل داخل حدود الأسرة قاصرة عن إكسابهم مهارات التدرج في العمل، وهي قائمة على التمييز الجندري من حيث التقسيم القصدي إرضاء لثقافة المجتمع الذكوري القائم على ان هناك أعمالا مخصصة للإناث واخرى للذكور.ويضيف ان عملية الاعتمادية تبدأ مع مسارات هذا النوع من التنشئة لجعل الابناء الذكور غالبا اعتماديين على من هم اكبر منهم في توفير الإنفاق وفي المصاريف النثرية البسيطة، وجميعها دلالات تتراكم لتبني اتجاها بأن تربيتنا في الاسرة تجاه العمل تقوم على طول مدة الإعالة بالنسبة للابناء.

ويقول , من هنا بدأ الاطفال او الشباب اليافعون يشعرون بأن هذا النوع من التربية والتنشئة تجاه العمل لا يحقق لهم جزءا من إحساسهم بأنهم منتجون، والدليل على ذلك انه يحصل على مصروفه من الأهل بدون بذل الجهد بحكم نمط الإعالة المطول.

ويشير الى أنه ومع ذلك بدأ يشعر الابن بأن عليه أن يجرب وأن يكتشف ما هو خارج حدود الأسرة وأن ينوع بالإصدقاء والبيئة وأن يفهم معنى العمل بالممارسة، ولذلك يمكن ربط هذه التطلعات او الاتجاهات مع طول ساعات الفراغ غير المبررة لا تربويا (العطلة) ولا أسريا بحكم ارتباط الأبوين بأعمال خارج المنزل لفترة طويلة.

وحول إيجابيات العمل بالنسبة للأطفال يضيف ان العمل في سن مبكرة يعتبر بداية تبلور الهوية الفردية، وبداية الاحتكاك المباشر مع سوق العمل ولو بشكل يسير، والإحساس بالقدرة على الإنتاج رغم العناية الفائقة التي يحرص الأبوان على تحقيقها لأبنائهم غالبا.

وتحدث عن محاذير زج الابناء فجأة في سوق العمل، مشيرا الى غياب الخبرة السابقة التي يفتقدها الشاب او الفتاة في البيت والتي يفترض ان يكتسبها من هناك عن طريق تقسيم العمل وتحمل المسؤوليات بتدرج كي يكون قادرا على ولوج السوق والاندماج في المجتمع المحيط، اضافة الى ان بيئة العمل بالنسبة لمن هم دون سن الـ 18 ليست مضمونة النتائج.

ويعبر عن خشيته من ان يعاد استخدام الأبناء بشكل مصاحب لعملهم في بعض البيئات خاصة البعيدة عن الانظار مثل الورش والمحاجر والتنقل بوسائط النقل مع صاحب العمل او العاملين حسب طبيعة العمل، وكلها عوامل يمكن ان تعيد توجيه هؤلاء الابناء نحو سلوكات منحرفة او يمكن ان يعاد تدريبهم على اتجاهات سلبية توحي بأن مجرد ذهابه الى العمل وهو في هذه السن يؤكد على غياب العدالة الاجتماعية، في حين إن أقرانه من الميسورين ما هو بعيد عن مثل هذه الأجواء.

ويؤكد أننا أمام مفصل مهم يؤشر الى قصور أنماط التنشئة التي نكسبها لأبنائنا بخصوص العمل مشيرا الى خطورة البيئة او المجتمع المفتوح الذي يصعب التنبؤ بصدقية تفهمه لمطالب الشباب الباحث عن عمل في هذه السن الحرجة، كما يؤكد ضرورة التمييز بين الأعمال المرئية في فضاءات مفتوحة وبين الأعمال التي يمكن أن تؤدى في أماكن بعيدة عن الأنظار، اضافة الى وعي الابناء القبْلية، كلها عوامل يمكن ان تكون محصنة للشباب، او تجعل الشاب يكتشف ضعفه وبالتالي يسهل إغواؤه.

واخيرا، يمكن أن تكون العطلة الصيفية نعمة ونقمة: نعمة إذا أحسنّا استغلالها في تنمية مواهب أطفالنا، وكان لدينا الحس بالمسؤولية لتربيتهم السليمة؛ ونقمة إذا تنصلنا من هذه المسؤولية وتركناهم فريسة الملل والكسل والعادات السيئة.

مقالات ذات صله