الشاعر لا يبحث عن ذاته فقط ولكنه يبحث أيضا عن الآخر

بغداد_ متابعة

يلاحظ تراجع دور الشعر الرومانسي كوسيلة للتخاطب بين المحبين، فلم يعد الشاعر العاشق يسهر الليالي تحت نافذة المحبوبة، أو يحوم بالقرب من شباكها ليسمعها أبياتا من الشعر الرومانسي كما كان في الماضي، بل إنه في ظل ثورة المعلومات وشيوع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يكتفي العاشق، حتى لو كان شاعرا، بإرسال رسالة تتضمن صورة عبر صفحة الحبيبة على موقع الفيسبوك، أو من خلال تغريدة عبر موقع تويتر، كما أن الوعي البصري الذي ظهر في العقود الأخيرة منذ ظهور التلفزيون وحتى الوسائط المتعددة عبر شبكات الإنترنت جعلت الرومانسية تتراجع تماما بعد أن أصبح في مقدور العاشق أن يرى عشيقته بمجرد ضغطة زرّ.

هذه الحالة من المادية والاتجاه نحو ما هو حسيّ حتى في علاقات العاطفة والحب بين الحبيب والحبيبة انعكس على الواقع الإبداعي والأدبي بما في ذلك الشعر، حيث تراجع الشعر الرومانسي أو كاد يختفي، ليحل محله شعر من نوع جديد يركز على كل ما هو محسوس من جسد الحبيبة.

وهو ما يتفق معه الناقد صابر عبدالدايم، الذي يقول “إن شعر الشباب لا يهتم بالحب الرومانسي، حيث التهمت الكتابة عن الأنثى والجنس الكتابة عن الرومانسية والحب، فأصبح هناك ما يُسمى بثنائية الحب/ الجسد، وهذا ناتج عن تصوّرات ذات الشاعر التي تعيش في عالم مفكك الروابط، ولا توجد فيه أي علاقات إنسانية راقية بعد طغيان العلاقات المادية وغياب التسامي في العلاقات والمشاعر بين الرجل والمرأة”.

ويشير عبدالدايم إلى أن الشعر عند قدامى الشعراء والمحدثين كان يرفع لواء الحب والغزل بصرف النظر عن الوجود الرومانسي لهذه الحالة، وكانت هذه الحالة موجودة ومزدهرة ومتحققة بمعانٍ فلسفية مختلفة، وأكبر دليل على هذا هو وجود شعراء كبار مثل فاروق جويدة، وفاروق شوشة، ومحمد إبراهيم أبوسنة، وغيرهم من الذين رفعوا شعار الحب، ويحظون بثقة وقبول الجماهير.

يقول عبدالدايم “إن الحب يقوم على التوحّد وعلى الترابط، فحين تتشظى الذات لا يمكن أن نطلب منها فعل الحب”.

ويؤكد الشاعر والناقد أمجد ريان، على التغيّرات التي حدثت على مر الزمان في أغراض الشعر العربي، وخصوصا في الغزل والحب، مشيرا إلى أن أبا نواس -على سبيل المثال- ثار على المقدمة الغزلية، وظل معنى الغزل يتغير من مدح جمال الأنثى إلى التلميح بمعان أكبر، إلى درجة أن شعراء الصوفية استخدموا معاني الغزل في التعبير عن الفناء في الذات الإلهية، وهكذا نلاحظ أن التغيّر المطّرد هو سمة الأدب في كل زمان ومكان، ولا يمكن لقيمة أدبية أن تثبت مهما كان نبلها ومهما كانت أهمية الدور الذي تؤديه.

أما محمد عبدالمطلب، أستاذ الأدب والنقد ، فيقول “إن المبدع اليوم يميل إلى الكتابة عن الواقع المحسوس، وخصوصاً شعراء الحداثة، فلا مكان لديهم للتهويم والتحليق في سماء الرومانسية، بل إن ما يشغله الآن هو وصف تأثير كل ما يدور حوله، فهو مثلا قد ينشغل بقضية تظهر للقارئ وكأنها قضية تافهة ولا معنى لها مثل فراغ السجائر -مثلا- ولكن الباحث في مضمون تلك الحالة سيجد معاني إنسانية جميلة، وربما يكون موقفاً إنسانياً من أعمق ما يمكن، رغم ما توحي به القراءة لمثل هذه الحالة”.

يتابع عبدالمطلب “إضافة إلى ذلك فإن الشعر الرومانسي كان يعتمد على ‘الأنا‘، بينما يتوجه الكاتب المعاصر ‘الحداثي‘ بكل قواه إلى ‘الآخر‘ فيوجه إليه كل الاهتمام والعناية، ولا يهتم بالذات لأنه يعتبرها قد أخذت الكثير من حقوقها، فأصبح الاهتمام بالآخر هو ما يتناسب، وطبيعة التطورات التي يشهدها المجتمع ويتحرك على أساسها المبدع أو الشاعر الذي لم يعد بحاجة لإثبات ذاته بل هو أحوج إلى كشف الآخر، بينما كان الشاعر القديم الذي يكتب شعرا رومانسيا يعتمد على الذات أو ‘الأنا‘ التي كانت دائما تؤرقه وتحمله إلى التهويمات الحلمية التي تفرز في النهاية القصيدة الغزلية أو الرومانسية”.

الشعر والأدب العربي الرومانسي كانا يعتمدان على “الأنا”، بينما يتوجه الكاتب المعاصر الحداثي في ما يكتبه بكل قواه إلى”الآخر”

من ناحيته، يعتبر مدحت الجيار، أستاذ النقد الأدبي، أن مفهوم الرومانسية يحتاج إلى تجديد، مشيرا إلى أن مفهوم الرومانسية باعتبارها رؤية العالم من خلال الذات واعتبار الآخر دائما مصدرا للشقاء اختفت، كما اختفى أيضا المفهوم التهويمي أو الحلمي لهذا الاتجاه، بمعنى أن المفردات الشعرية التي كانت تستخدم للبحث عن الحب أو مدح المحبوبة اختفت هي أيضا، وحلت محلها كلمات تصلح للتعامل مع الأنثى، باعتبارها هي العنصر المؤثر في شخصية المبدع.

شاعر اليوم، كما يراه الجيار، لم يعد يتطلع إلى ذلك العالم اليوتوبي الذي انهمك فيه شعراء الرومانسية، بل أصبح العالم بالنسبة إليه هو نسيج من التوليفات الدقيقة التي تكونت مفرداته، وبالتالي لم يعد يعتبر الحب مجالا صالحا للكتابة بقدر ما يعتبر المرأة مجالا، لذلك فالأنثى هي الصورة المادية التي يمكن أن يتجسد فيها الحب أو حالة الحب، والبحث عن المقابل المادي للرؤى الكتابية هو سمة معظم الشعراء الجدد، لذلك يعتبر غياب الرومانسية وغياب شعر الحب والغزل هما من نتائج توجهات الكتابة الحديثة بما تدعو إليه من وصف للمحكي والمعيش واليومي بعيدا عن الحياة الحالمة.

أما الناقدة أمل محمد الأسدي، أستاذة الأدب العربي في جامعة بغداد، فترى أن الشعر ابن الحياة، ابن المعاناة، مرآة الروح، ولغة المحبة ولغة الشجن الشفيف، وقد كانت له اليد الطولى في التعبير عما يجول في خواطر العشاق وما يعانونه من تباريح الهوى، ولكن المتابع للواقع الثقافي الآن يرى تراجع الشعر بوصفه وسيلة اتصال بين المتحابين، وذلك بسبب تراجع الاهتمام باللغة العربية ككل، وتراجع الشعر بشكل خاص بعد أن سادت مقولة ”العصر عصر الرواية”، أما بالنسبة إلى الشباب فقد شغلتهم مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك الأفلام والمسلسلات عن القراءة والإحساس والتذوق، ناهيك عن الظروف العامة التي تمر بها البلاد العربية من أعمال إرهابية وعنف مستمر كل ذلك أدى إلى تراجع الذوق والإحساس وبالنتيجة أدى إلى تراجع دور الشعر كوسيلة اتصال بين العشاق والمحبين.

ويوافقها في الرأي الشاعر المصري أحمد غراب فهو يرى أن ثمة تراجعا قد حدث للغزل والشعر العاطفي عامة، كان نتيجة لظهور قضايا أكثر أهمية، شغلت الشاعر واستحوذت على اهتمامه وعلى إبداعه، إضافة إلى تعقيدات الحياة المعاصرة وتشعب الاهتمامات والأولويات.

يقول غراب “شعر الغزل كان يتلاءم مع الحياة القبلية البسيطة حيث كانت النفس البشرية بكرا، والضمائر أكثر يقظة وأقل سوادا، وحيث كانت الحياة الاقتصادية مسطحة وغير خانقة، ولا وجود للإعلام الموجه وغير الموجه بكل ما فيه من زيف وتشويه وتسطيح للفكر والوجدان. كان الحب ساذجا بريئا ومثله كانت قصائد الغزل والرومانسية، أما الآن فقد تلوث الحب بتلوث العصر كله، فكان لا بد أن تتراجع قصيدة الحب بشكلها الرومانسي الحالم، بل كان لا بد أن تختفي لتخلو الساحة للقصيدة المناسبة للعصر الذي نعيشه”.

مقالات ذات صله