السرقات الأدبية.. تلاص أم تناص؟

دبي – خاص  

قديما قال الجاحظ “المعاني مطروحة في الطريق” بمعنى أن المعاني ممتدة وغير محصورة بألفاظ محددة، وهي متاحة لمن يمتلك الصياغة اللفظية لها، وهنا تكمن أهمية اللغة القالب الذي يشكل المعنى ويجسده.

لكن في مسألة السرقات الأدبية إلى أي حد يا ترى يجب أن تقف عنده هذه المقولة وما هو الحد الذي يفصل بين السرقات الأدبية وبين الادعاء بالملكية اعتمادا على هذه المقولة؟

هذا الموضوع شغل نقاد الأدب في مختلف العصور كونه ظهر منذ أن ظهرت الفنون الإبداعية ونال اهتماما كبيرا وقد عالجه النقد العربي قديمه وحديثه في دراسات كثيرة من أهم أهدافها هي الوقوف على أصالة العمل الأدبي وصحة نسبته إلى أصحابه، وتقصي مقدار ماجاء فيها من أفكار إبداعية جديدة ومن أفكار متبعة ومنسوخة أو مقلدة.

كما أظهرت الدراسات النقدية جوانب الاتفاق والاختلاف بين العمل الأصيل والعمل المبتدع وهذا احتاج من الدارسين فطنة ودراية عميقة وسعة معرفة بالأدب على مر العصور حتى يتسنى للدارس الحكم جوانب الإبداع والاحتذاء في العمل الأدبي.

ولمفهوم السرقة كما جاء في المعجم الوسيط “الأخذ من كلام الغير وهو أخذ بعض المعنى أو بعض اللفظ سواء أكان أخذ اللفظ بأسره أم المعنى بأسره” تاريخ طويل وقضايا كثيرة وأمثلة مشهورة كثرت الكتابة عنها وتناولتها الدراسات بتفصيل وتقص وأحيانا بإشهار.

نزار قباني والشاعر الفرنسي جاك بريفير يشتركان في خصائص مشتركة في شعرهما، فكلاهما دخلا في تفاصيل الحياة اليومية التي لا تخطر أحيانا على بال شاعر، ففي الوقت الذي تحدث فيه بريفير عن أبسط الأشياء كالقهوة والغيم ونهر السين والعشاق واللوفر ببساطة لفظية شبيهة بشعر القباني، تغنى الأخير بتفاصيل الحياة اليومية الدقيقة ووظف في شعره العطور ومنافض السجائر والياسمين وحارات الشام القديمة والفساتين وغيرها الكثير، وإن كان مختلفا عن بريفيرا في تسخير كل هذه التفاصيل الحياتية بكل أشكالها في خدمة المرأة.

لنزار قباني قصيدة بعنوان “مع الجريدة” نشرها في الخمسينيات ضمن مجموعته الشعرية “قصائد” وقيل وقتها إنها نسخة عربية عن قصيدة الشاعر الفرنسي جاك بريفيرا وأحدث هذا النقل ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية العربية.

القصيدتان لا تتشابهان في الموضوع وحسب وإنما في المشهد الشعري الذي تم وصفه في القصيدتين، فالمرأة واحدة في الاثنتين، تجلس في مقهى وحدها بينما يجلس رجل في ركن من المقهى، ويبدو أن ثمة علاقة بين الرجل والمرأة التي كانت تتلهف لكلمة يوجهها إليها الرجل، لكنه عمد إلى إغاظتها ولم يوجه إليها أي حديث بل شرب قهوته بكل هدوء ولامبالاة مقصودة وخرج.

وما أن يخرج تقع المرأة في بكاء حاد كما في نهاية قصيدة بريفيرا وتتملكها الوحشة والمرارة كما في قصيدة نزار، هذه مثلا خاتمة قصيدة الشاعر الفرنسي:

نفض الرماد بالمنفضة من دون أن يكلمني

نهض اعتمر قبعته

ارتدى معطف المطر لأنها كانت تمطر

وذهب تحت المطر بدون كلمة بدون أن ينظر إليَّ

وأنا أخذت رأسي بيدي وبكيت.

بينما جاءت نهاية المشهد الشعري عند قباني:

وبعد لحظتين

دون أن يراني

ويعرف الشوق الذي اعتراني

تناول المعطف من أمامي

وغاب في الزحام

مخلفاً وراءه الجريدة وحيدة

مثلي أنا وحيدة.

وقد اعترف قباني بتأثره بقصيدة بريفيرا لكنه لم يعترف بسرقتها، وذكر أن قصيدته معارضة لبريفيرا، في حين انبرى الكثير من النقاد في الدفاع عن قباني واعتبروه تأثرا بفعل الصدمة الحضارية بين الثقافتين ورغبة نزار قباني بالتجديد والتحديث.

وفي معرض دفاعهم عن قباني ذكر النقاد أن ثمة اختلافات كثيرة بين النصين الشعريين من أبرزها أن قصيدة نزار أقصر وأكثر عمقا وكثافة من قصيدة بريفيرا، بحيث أن الرجل في قصيدة نزار لم ير المرأة أصلا ولم يكن متعمدا تجاهلها، على عكس القصيدة الفرنسية التي تجاهل فيها الرجل المرأة عامدا متعمدا.

كما قيل إن نهاية القصيدتين ليست واحدة فالرجل في قصيدة نزار يخرج ويضيع في الزحام تاركا المرأة وحدها في المقهى لأنه لم يرها أصلا، في حين كانت خاتمة القصيدة الفرنسية هو بكاء المرأة واضعة رأسها بين يديها، وعلى الرغم من المشاعر المتشابهة التي انتابت المرأتين فإن النقاد اعتبروها مشاعر إنسانية لا مجال لنسخها لتشابه العواطف والمشاعر الإنسانية عند جميع البشر.

وقد دافع محبو نزار قباني من المهتمين والباحثين بقضية السرقات الأدبية عنه حين ذكروا أن المشهدين يختلفان، ففي الوقت الذي يعرض فيه بريفيرا قصيدته بطريقة سينمائية كونه كاتب سيناريوهات أيضا وركز على الحركة التي تقوم بها المرأة، أعطى نزار قباني الأهمية للعواطف والأحاسيس التي تعتري المرأة أكثر من تكريسه الألفاظ لوصف الحركات الجسدية كما عند بريفيرا.

كما أن قصيدة الشاعر الفرنسي جاك بريفيرا صيغت بلغة بسيطة وساذجة إلى حد ما، بينما جاءت قصيدة نزار ذات صياغة رشيقة وعلى أصول البيان العربي في الإيقاع والوزن والقافية، وهذا الفارق مما يؤكد كما قال النقاد أن القضية لا تعدو تأثرا أو تمثلا أو مثاقفة وتناصا.

مقالات ذات صله