الزوجات الموظفات والالتزامات المادية للأسرة ..ما بين الرفض والقبول

بغداد_ متابعة

قناعة السيدة رهام بأن على زوجها واجب الانفاق عليها وعلى أبنائها مهما كانت الظروف والأحوال، هو ما يجعلها ترفض فكرة المشاركة في تحمل مصاريف البيت، خصوصا وأنها تجد أن الرجل هو المسؤول عن ذلك وأن راتبها حق لها وحدها.

“لست مضطرة أن أصرف من راتبي على البيت وهذا لا يعنيني في شيء”، تقول رهام التي تبين أن خروجها للعمل بشكل يومي واعتنائها بالبيت والأولاد كله على حساب راحتها تستحق أن تدخر أموالها لها ولا يشاركها أحد به.

والقناعة التي تمتلكها رهام ليست مقتصرة عليها فحسب بل هو أمر تشعر به بعض من النساء العاملات، فبثينة تحاول الهروب من المسؤولية المادية تجاه بيتها وزوجها وأولادها بالبحث عن إلتزام مادي دائم على راتبها لتبقى حجتها قوية في حال طلب زوجها منها المساعدة المالية. وترفض بثينة ترتيب أي التزام شهري على راتبها للبيت، معتبرة ذلك الأمر تعديا على تعبها وحقها بالتصرف براتبها كما يحلو لها.

وهذه القناعة تسبب الحساسية لدى بعض الرجال فالسيد خالد مراد يجد أن الزوجة العاملة التي لا تشعر بالمسؤولية تجاه بيتها ولا تعرض المساعدة، خصوصا في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة تخلق نوعا من العداوة بين الأزواج.

بيد ان خالد مراد يؤكد أنه لن يطالب زوجته بأن تساعده ماليا اذا ما عرضت هي بطيب خاطرها، ويقول “الزوجة هي أقرب إنسان إلى زوجها وهي أكثر اطلاعا على همومه وأوجاعه وتقمصها لدور المتفرج من بعيد يخلق شرخا في العلاقة الزوجية يصعب إصلاحه”.

في حين يستهجن السيد سليم هادي رفض بعض النساء المساعدة في مصروف البيت، في حين على الرجل أن يتحمل غيابها عن المنزل وعن الأولاد ثماني ساعات، وأن يقف إلى جانبها ويشاركها مسؤولياتها في حين تخبئ هي راتبها لأنه حقها وحدها.

ويتابع “عند الحديث عن حقي وحقها فمن حقي أن أعود وهي في المنزل”، مؤكدا مثلما على الرجل أن يكون مساندا لزوجته وداعما لها ويخفف عنها في حال كانت عاملة، يجب أن يشعر هو أيضا بأنها داعمة له في هذه الظروف الاقتصادية التي تفوق قدرة أي رجل.

وعلى الجانب الآخر هناك نساء اخريات تجد أن الحياة لا يمكن ان تستقيم الا بقيام الزوجين بمساعدة بعضهما بعضا في كل مناحي الحياة وتقول ايفا” تعاهدنا على البقاء معا على السراء والضراء وعلى المرض والصحة”، لافتة إلى انها لم تنتظر يوما أن يطلب منها زوجها المساعدة أو أن تشتري شيئا للبيت أو للأولاد، وإنما تفعل ذلك من تلقاء نفسها لانها تقدر أهمية تعاون الزوجين في كافة الظروف.

اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي بدوره يؤكد أن أهم مقومات نجاح الحياة الزوجية بين الأزواج يكمن في الاتفاق المسبق على إدارة شؤون الأسرة من مختلف جوانبها اقتصاديا واجتماعيا وتربويا وتوزيع الأدوار بشكل تشاركي والتزام كامل في إدارة شؤون الأسرة. ويشدد على ضرورة موازنة إدارة الأسرة بشكل جيد حتى لا تحدث أية صراعات بين الأزواج.

ويشير الخزاعي إلى أن خروج الزوجة للعمل يتطلب اتفاقا وتعاونا بين الزوجين ومراعاة الالتزامات وعدم تحميل أي طرف وحده المسؤولية الكاملة.

كما يؤكد الخزاعي على ضرورة أن تكون الزوجة متعاونة ومدركة لمتطلبات الأسرة ومساعدة الزوجة وعدم ترك الزوج يتحمل أعباء الحياة وحده وهذا سيؤدي بالتالي إلى إيجاد توترات ومشاكل بين الأزواج.

“إدارة موازنة الأسرة تتطلب تعاونا”، خاصة في النفقات والإيرادات، مؤكدا أهمية عدم تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة وعدم التراجع عن أي اتفاق سابق.

ويلفت الخزاعي إلى ضرورة توضيح الوضع المالي لكلا الزوجين قبل الزواج، مؤكدا ضرورة الاتفاق بينهما على كيفية صرف دخل الأسرة. ويذهب الى أن المرأة شريك أساسي وعمود من أعمدة البيت ويجب أن تكون بجوار الرجل وأي تصدع يحدث في العلاقة يؤثر على الأسرة.

ويؤكد الخزاعي أن 60 % من حالات الطلاق بسبب عدم الالتزام بالشروط المسبقة لما قبل الزواج، الأمر الذي قد يلقي بظلاله على الأسرة ويحدث توترات كبيرة داخل الأسرة، مبينا أن الوضع الاقتصادي هو أهم ركن من أركان استقرار الأسرة.

ومن جهته يوضح الاستشاري الأسري أحمد عبد الله في حال كان تمنع الزوجة عن المشاركة المادية لأن الزوج غير محتاج فهذا امر طبيعي، ومقبول، لكن التمنع في وقت الحاجة الحقيقية لتعاونها، إنما ينم عن شخصية ذات نظرة فردية.

ويعتبر عبدالله تمنع المرأة عن مساعدة زوجها ماليا وتحمل الأعباء الاقتصادية معه، أمرا في غاية الخطورة على مسار الأسرة، مؤكدا أن الظروف الاقتصادية الصعبة لمجمل الأسر تحتاج لتكثيف التعاون بين الزوجين لتسير الحياة وفق المتطلبات التي يفرضها الواقع الاقتصادي الحالي.

التعاون المالي هو أكثر من كونه فقط مجرد نقود يتم وضعها في مصلحة البيت المشتركة، انما هي رسالة تفهّم للوضع الراهن، وبناء مشترك للمصلحة العامة على حساب المصلحة الفردية في الحياة.

وفي الجانب الشرعي يشير احد اختصاصي علم الشريعة إلى ضرورة التفريق مابين الحق الواجب الشرعي وبين المساعدة والمشاركة وفضل التعاون والمحبة بين الأزواج، لافتا إلى أن الأصل أن لا يأخذ الناس الحقوق بصورتها المجردة.

ويؤكد :أن للزوجة الحق الكامل على زوجها في تأمين متطلباتها ضمن إمكانياته وظروفه الاقتصادية من ناحية دينية بحتة، إلا أنه وفي كثير من الأحيان توجد بعض المتطلبات الخاصة للمرأة العاملة والتي تفرضها طبيعة تغيبها خارج المنزل لساعات، الأمر الذي لا يعد من مسؤولية الزوج أبدا وإنما يجب على المرأة تأمينها على نفقتها الخاصة.

“المتطلبات الخاصة التي تفرضها ظروف عمل الزوجة تتمثل إما في وجود خادمة، أوسيارة وهي يجب أن تتكلف بها الزوجة”، سيما وأنها احتاجت إلى ذلك لسبب انشغالها.

ومن جهة أخرى، يشير :”إلى أن الحياة الزوجية إذا كانت قائمة على التعاون والتشارك فإن ذلك يقتضي أن يكون الزوجان شريكين حتى بالأمور المادية وهنا لا نقول عن حقوق بحتة.

ويلفت إلى الأثر السلبي الكبير الذي يلقيه رفض النساء من مساعدة أزواجهن، حيث تؤثر على العلاقات الزوجية والمحبة وتجعل الزوج يقف عند حرفية الحقوق فتتحول الحياة من حياة زوجية إلى تضاد وتنافس ورد اعتبار بين الحين والآخر، الأمر الذي قد يدمر مفهوم الزواج الذي يقوم على سندين وهما المودة والرحمة، فيفرغ من ذاته ويصبح علاقة شكلية وجسدية في بعض الأحيان وينزع فضله.

اما نيهال أحمد (32 عاماً) كانت زيجتها أقرب إلى زواج الصالونات، فقد أرسل إليها زميل دراسة سابق يكبرها بثلاث سنوات أهله ليخطبوها بينما كان هو مسافراً من أجل العمل.
وافق عليه الأهل وقبلوا بظروفه المادية المتعثرة، وفق رواية نيهال، ووافقوا على أن تتزوج ابنتهم من دون وجود شقة، وأن تسافر لتقيم معه في تركيا ليكوّنا مستقبلهما ويدّخرا ثمن عش الزوجية. تقول نيهال: «بعد حوال عامين ونصف عام من الزواج، طلبت منه أن يسمح لي بالعمل فوافق بلا تردد، لكن كانت الطامة الكبرى عندما علم أن راتبي يفوق راتبه. في البداية جعلني أدفع أجرة عاملة المنزل، ثم بدأت تصرفاته تتغير تدريجاً. مثلاً إذا أردت شراء شيء ما لنفسي من راتبي يرفض بشدة، ويقول لي هذه ليست أموالك وحدك، هي أموالنا معاً، وعندما كنا نسافر لتمضية الإجازات ، كان يفرض عليَّ أن أدفع النفقات… لم ألتفت كثيراً إلى تصرفاته في البداية رغم تعجبي منها».
وتضيف: «استمرت حياتنا على هذا المنوال لمدة عامين، وبعد فترة تركت العمل عند اقتراب موعد وضعي، وقبل أن يمضي عام على وضع مولودي الجديد عدت إلى عمل جديد وعملت مدرّسة لغة إنكليزية، وقتها صادفتنا أكبر مشكلة في حياتنا الزوجية. فيوم تسلّمي العمل الجديد كان يوم استغناء صاحب العمل عنه، فما كان مني إلا أن وقفت بجانبه وتكفلت بمصاريف الأسرة كاملة وراتب عاملة المنزل ومصروفه الشخصي، طوال فترة الأربعة أشهر التي ترك عمله فيها. ولم أجد منه تقديراً لي ولا حتى كلمة شكر، بل كان يقابلني يومياً بعصبية غير مفهومة تصل أحياناً إلى العنف ويضربني بلا سبب، وحتى بعد عودته إلى العمل استمر عنفه الذي لا مبرر له سوى أنه يريد أن يأخذ راتبي كاملاً. ودون سابق إنذار طردني في إجازة المدارس وأعادني إلى أهلي بطفليّ ».

مقالات ذات صله