“الزاحف الالكتروني” .. محتال سلاحه الحب من طراز خاص

بغداد_ متابعة

كان جسده يقف بين أصدقائه، أما خياله ففي عالم آخر، وعلى الرغم من ضجيج التجمع الشبابي والجدل المثار هنا وهناك، تركز اهتمام سرمد على الفتاة التي مرت بجانبه وقلبه خفق بخطواتها السريعة خفقانا لا حد له، وما بين سحب اللهفة وعواطف الرغبات راح مدفوعا لملاحقتها والتحدث معها، وكانت النظرات في البداية دعوات للوفاق، ثم أصبحت أوراق عشق متخفية لعلاقة عاطفية، كان يتهيأ للهجوم ولكن فتر حماسه وتعثرت أمانيه في خجل عندما علم من خاتمها انها متزوجة، في تلك اللحظة سقط  تحت أنقاض الآمال الخائبة بضمها الى رفوف معجباته. اعترف سرمد بفعله، موضحا أن الإعجاب هو الذي يدفعه لملاحقة النساء مستغلا وسامته ووضعه المادي الجيد، وقال سرمد وقد لبست وجهه هيئة الجد والاهتمام: “إن الأصعب في الحب لا يتمثل بحب الشخص لك دائما، وإنما الاحتفاظ بهذا الحب لأن له جناحين يأتي بسرعة ولكنه سرعان ما يتلاشى، ولم يعد البحث عن الحب وإيجاد فريسة مقتصرا على الرجال فقط، بل دخلت النساء هذا المضمار سرا وعلنا، واليوم لا نجد أي عجب أو غرابة بأن تلاحق الفتاة الرجال خوفا من شبح العنوسة”.

وفي ما يخص التباهي بين الذكور بمتابعة النساء وتعدد علاقاتهم وتنوعها، ترى الدكتورة سناء الخزرجي المتخصصة في علم النفس ان: “ضمير الإنسان أصبح على المحك الإنساني، بالتالي يكون غير بعيد عن هذا المنزلق الخطير وهو (الزحف البشري) والتباهي  بين الذكور بمتابعة جميع النساء دون استثناء وتكوين علاقات  قد تتجاوز كل الخطوط الحمراء المتعارف عليها، وهنا تظهر الازدواجية بأوضح تجلياتها متضمنة تمسك الفرد شكليا بالقيم الأخلاقية ليساير المجتمع في العادات والتقاليد فيطبقها على الأبناء، بينما يمارس تناقضاته في الخفاء لأنه غير منظور وبعيد عن خطر المراقبة ويحظى بسرية تامة خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما كان له تأثير سلبي في مصداقية العلاقات العاطفية”.

لم يكن سرمد، الوحيد في عصر الأيادي الناعمة العاطلة والعقول المتملقة الفاسدة من دخل مضمار سباق الزحف والركض خلف كل النساء من دون استثناء، فعذوبة تقاطع جسد المرأة الأنثوي تسيل لعاب المراهق سلام فيندفع تجاه تكوين العلاقات مع الاناث بغض النظر عن مواصفات الجمال والعمر وبقية التفاصيل، وذلك بحسب مارواه أحد زملائه ونقلا عن ذلك الزميل الذي لم  يرغب في الإفصاح عن اسمه: “فإن سلام غالبا ما يتعرض للتوبيخ والإهانة من الفتاة عند متابعتها ومع ذلك يصر على ذلك، ومحاولة إسماعها الكلمات والعبارات الجميلة ذات طابع التودد ليضمها الى منافسة الشباب بتعدد النساء”.

ويضيف الزميل بصوت غريب لا رونق فيه: “أغلب الأماكن التي يفضلها الشباب، هي الأحياء الشعبية، فالتجمع في أزقة  تلك الأحياء التي توفر لهم فرصة مشاهدة ومراقبة أو متابعة كل ما يطلق عليه لفظ أنثى، واما الأماكن الأوفر حظا والأكثر سلاما لتكوين الصداقات والعلاقات المؤقتة هي المولات والمحال التجارية”.

تختلف متطلبات جمال المرأة في بلادنا عن بقية المجتمعات الإنسانية الذين لهم دينهم في الجمال، فكلما ازدادت المرأة سوادا ازدادت جمالا في أفريقيا، أما اليابانيون فيفضلون المرأة دقيقة الجسد، نحيلة الخصر، بيضاء وصافية البشرة والعنق، صغيرة القدمين، ويرون في طولها عيبًا لا ميزة، فليس لصفاء البشرة ونقائها معيار في جنوب السودان، فمن ليس في وجهها تشققات في عرفهم امرأة ناقصة، واما الاسكيمو والهنود الحمر فجسد المرأة لا يشكل لهم أهمية، وإنما رائحة فمها وشعرها، ولعنق المرأة الطويل معجبوه في منغوليا وبورما والتبت، أما أهل الغرب فيفضلون المرأة الشقراء، ضيقة الجبهة، مكتنزة الشفتين، إلا أن بينهم من يهوى السمرة ذات الشعر الأسود، أما في بلادنا فكل النساء بغض النظر عن كل ما ذكر من مواصفات يسيل لها لعاب المراهق أو الشاب الذي يروم تكوين علاقة مع الجنس الآخر.

“بغض النظر عن  العمر تلعب كلماتنا بقلب النساء كما تلعب أنامل العازف بأوتار الكمان”.. هذا ما يقوله الشاب أحمد حيدر (22 عاما) ويده تداري ابتسامة خجولة تراود شفتيه وهو يواصل حديثه: “عند رؤية أية فتاة جميلة ذات قوام خاص لا أستطيع كبح جماح مشاعري المكبوتة بملاحقتها، وما إن تتوسع وتتعمق العلاقة بيننا تقع الفتاة في شباك الحب فتنهار مقاومتها كما ينهار بناء آيل للسقوط في ثوان لتنضم لقافلة المخدوعات”. ويضيف حيدر بصوت ملؤه الهدوء والثقة: “هذه الطريقة تنطلي على الكثير من النساء ودائما ما تتوج بالنجاح، وقد تستمر بضعة أيام وإن حالفها الحظ فإنها تستمر لبضعة أشهر، لتبدأ مغامرة أخرى لاستمالة قلب أنثى أخرى وإن كانت صاحبته أقل جمالا من سابقتها وفق قانون كل جديد مرغوب، فعندما يريد الشاب ملاحقة فتاة وإقامة علاقة معها فإنها تطاوعه لتتطور تلك العلاقة!”.

ويقول الدكتور محمد عبد الحسن – الأستاذ في علم الاجتماع – موضحا: “يختلف الشاب أو المراهق في سلوكه عن أقرانه في بقاع المعمورة، كون كل النساء على وجه العموم هن محط اهتمام بالنسبة له، المشكلة الحقيقية ان هؤلاء يعانون من فقر عاطفي مزمن، وبالتالي تبدأ رحلة البحث عن أي مصدر يعوض هذا الفقر، أو يشبع حاجة المراهق لهذا النوع من العلاقات الإنسانية، وأيضا دخول الفرد مرحلة المراهقة بوقت مبكر وتأخر الزواج وغياب المرافق الاجتماعية والثقافية وكثرة المثيرات تجعله يبحث عن متنفس لهذه الرغبات المكبوتة، فضلا عن الثقافة الذكورية السائدة التي ترى ان المراهق أو الشاب لا يعاب، أو يغض الطرف عن ملاحقته للإناث ليضع العديد من المبررات لهذا السلوك السلبي الذي يمارسه”.

ويستذكر الحاج نزار نصيف كيف كان اهتمام الرجل يمتد وينحسر عبر سنوات بأن تكون المرأة التي يقع الاختيار عليها من عائلة محافظة بغض النظر عن جمالها ليكونا أسرة تتربى على الاحترام والوفاء، لذلك كانت الزيجات تدوم طويلا، وبدت على ملامحه علامات الاستياء والتذمر وهو يواصل حديثه: “أما اليوم فيتعلق الشاب بأهداب أول امرأة يجدها أمامه، قد تكون أكبر عمراً منه ومع ذلك يصر على متابعتها حتى وإن كانت بعمر والدته فيعتقد بأنها أسرع تعلقا واستغلالا من الشابة المقاربة له من حيث العمر”.

ويضيف الرجل السبعيني نصيف أو (أبو حيدر) كما يكنى في منطقة سكناه: “عندما يحصل الشاب على مراده ويحظى بفرصة الزواج ومع ضغوطات الحياة المستمرة ينفرط زواجهم كحبات المسبحة، ويقع الأبناء ضحية ارتباطهما الطائش”.

لكن الشاب مصطفى ناظم، أبدى رأيه بشفافية تامة موضحا: “مشاكلنا تبدأ حين لا نحترم حدود الآخرين، فميول الشاب تتجه نحو التحرر أسوة بالغرب وفتح علاقات متعددة مع الفتيات وتمضية الوقت معهن كشاب ناضج دون كلل أو ملل، فضعف أو غياب ثقافة التواصل مع الآخر تجعل الشاب يتعامل بأسلوب فرض الحال أو حتى الخشونة للدخول في علاقة مع الجنس الآخر، وذلك لأن تعدد النساء في حياة الشاب عنصر تميز وسط مجموعته الاجتماعية من الأقران خصوصا عند الشباب الذين لا يجدون متنفسا لحاجاتهم”.

ويشير ناظم الى نقطة جديرة بالاهتمام  وهي ان “الخطأ لا يقع على عاتق الشاب أو المراهق  فقط، فالاندفاع يكون شديدا بمتابعة الفتاة إذا ما لمس أو شعر أحدهم  ان الطرف الآخر معجب به أو مهتم، فالابتسامة والالتفاتة من قبل الفتاة تشكل نقطة البداية لملاحقتها ومتابعتها، وبذلك يصعب التخلص من الشاب بسهولة”.

ويعود زميل سلام ليكمل حديثه عن أبرز الأماكن المفضلة لصيد النساء عند الشباب قائلا: “المجموعات المغلقة على مواقع التواصل الاجتماعي وسهولة الانضمام إليها ترضي غرائز الشباب الطائش أو كما يطلق عليهم (الزاحف الالكتروني) لتبادلوا عناوينهم وأرقامهم على الفيس بوك، فلا يوجد هناك عزل جنسي بين الذكور والاناث بحكم المنظومة القيمية والدينية المتبعة في المجتمع والتي تكرس الفصل بين الجنسين”.

ويضيف الزميل بصوت لا يخلو من سوء الظن: “حتى الشاب الذي يتمتع بنضج عقلي وعاطفي من (المتزوجين) يكون قريبا من منزلق (الزحف) وتكوين علاقات تحت عنوان التعويض العاطفي، لذلك يجد الرجال وبمختلف الأعمار ضالتهم عند بعض صفحات النساء الشخصية للزحف المتخفي”.

وتؤكد الخزرجي أن: “التواصل أصبح سهلا والاختلاط والتعارف من سمات التقنية المتطورة في الشبكة العنكبوتية وكلما تسارع التطور في وسائل الاتصال كلما تنوعت التحديات وتجددت القيم الأخلاقية والدينية للفرد، لذلك أصبحت هذه الصفحات بمثابة أماكن افتراضية لممارسة الفحش اللفظي والمعنوي، وعرض الخدمات المحرمة على جميع النساء بغض النظر عن وضعها الاجتماعي، ولم يعد الموضوع محصورا بإغراء الرجال للنساء بل ينطبق الشيء ذاته على النساء اللاتي يحاولن إغراء الرجل بهذه العلاقات وهذا ما يطلق عليه أو ما يسمى بـ «الجنس الالكتروني”.

مقالات ذات صله