الدراما العراقية في رمضان … استنساخ افكارها في كل موسم اوقعها في فخ التكرار

بغداد _ متابعة

في كلّ عام ينتظر المشاهد العراقي البرامج التلفزيونية الرمضانية لعلّها تلبّي ما هو أقلّ من الطموح، لتحريك الواقع الحزين أو تحريك الوعي الثقافي للإنسان العراقي الذي يصادف الكثير من المنغّصات اليومية، ويدخل في معترك المعاناة، سواء كان ذلك بسبب الإرهاب أو بسبب النقص في الخدمات، فهل أحيت الفرجة الرمضانية المقترحة لهذا العام بعض الأمل عند العراقيين وخففت من معاناتهم؟

بات المواطن العراقي أمام المعاناة التي يتكبدها يوميا بسبب الإرهاب أو نقص الخدمات، خاصة في ما يتعلق بالانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، ينتظر ما تنتجه له الفضائيات سواء منها العراقية أو العربية لتفريغ هذا الهمّ وقضاء ساعات ليل جميلة تحمل معها الهدوء والترقّب والمشاركة في ذروة موسم الفرجة التلفزيونية برمضان.

ومع ذلك، يقع المشاهد العراقي، كما هو الحال في كلّ عام، في حيرة انتقاء البرنامج الجيّد الذي يلائم وقته وذائقته ويمسح عنه لوعة الحزن ويزيل عنه معاناة الترقّب، فهو لا يرى شيئا من هذه البرامج إلّا ما هو معاد بذات الوجوه وذات الأفكار وذات الممثلين والحركات.

وأيضا ذات الأهداف التي لا تخرج عن كونها برامج تحاول الضحك على ذائقة المتلقّي، والاستهزاء بمعاناته من خلال التسطيح الفكري الذي تتضمنه، حيث تتسابق الشركات الإنتاجية من أجل استكمال أدواتها وتخسر الكثير من أموالها للحصول على حقوق بثّ برامج ومسلسلات بعينها، نتيجة ما تدره من إعلانات.

وانقسم ما رآه العراقي خلال الفترة الماضية من شهر رمضان الحالي إلى قسمين، الأول هو برامج منوعة ومسابقات وألعاب يقوم بها بعض الممثلين المعروفين في الشارع و”المولات” التجارية، من خلال القيام بتوجيه أسئلة إلى المواطن.

وهي أسئلة لا تعطي شيئا له كمادة أولية دسمة تفيده وتنمي وعيه الثقافي، بقدر ما تجعله أمام مقدّم يحاول مراقصة السؤال واستنطاق جسده وتحريك فكاهته من أجل قضاء الساعة البرامجية لقاء هدايا مغلّفة لا تساوي شيئا. أما القسم الآخر، وهو الأشد ركاكة من القسم الأول، فيتمثل في المسلسلات والبرامج الفكاهية التي استنسخت أفكارها لأكثر من موسم، فضاع منها التجديد وظلّت تبحث عن أفكار جديدة فوقعت في التكرار من جهة والسطحية من جهة أخرى.

مسلسلات وبرامج كوميدية تستغل معاناة الناس لترقص حولها دون أن ينجح فريق العمل، الذي يبدأ بكاتب السيناريو وكذلك المخرج والممثلين، في نقل هذه المعاناة بعيدا عن الاستهجان والاستهزاء، وقد وقعت في أيديولوجيا البكاء والإضحاك غير الهادف، فأتت كوميديا فاقدة للمرونة في تعبيراتها الفنية وغلبت عليها حوارات غير قادرة على الخروج من عنق زجاجة جلد الذات، أو الاستخفاف حتى في الأفكار المطروحة.

وباتت جل المسلسلات التي تصل إلى 30 حلقة، تستغل اسم الممثل وشهرته، دون أن تقدم جديدا، فأتت خالية من الأفكار، تستغل كلّ شيء حتى المعركة مع داعش أخذت تقدّمها بطريقة لا تزيد من الوعي المناهض، مقدمة صورة مشابهة لما يحصل، وربما لا يصل المشاهد إلى كراهية الشخصية التي تؤدي مثل هذه الأدوار.

والأمر نفسه ينطبق أيضا على البرامج التاريخية التي لم تخرج من إطارها الفكري الواحد إلى إطارها الواقعي في تثوير الماضي الجميل لبناء حاضر آخر، فكانت برامج تستنسخ الماضي لإعادته، في وقت يشعر فيه الجميع بحاجة إلى خطاب تاريخي، أو الأصح ديني بشكل يحمل حداثة الفكر وينقّي سوداوية ما يحمله التاريخ من ضغائن.

إن البرامج الرمضانية بشكلٍ عام لم تكن بالمستوى الفني المنشود أو المستوى الذي يساهم بزيادة الجرعة الثقافية وطرح أسئلة الحياة أو المشاركة في صنع الجمال وإزالة القليل من المعاناة وزرع البسمة بطريقة جميلة، فاندرجت في الاستهلاك والتكرار وأصابت المشاهد بحالة من النفور.

وكانت برامج الكاميرا الخفية من أسوأ البرامج الرمضانية التي فقدت قيمتها الفكاهية ، مثلما فقد مسلسل عادل إمام بريق عفاريته لجمود الفكرة والأداء.

فضلا عن العديد من المسلسلات الأخرى التي كانت ضائعة في سطحية أفكارها واستغلال حاجة الناس إلى الفرح، فقدمت لهم برامج غارقة في الفكاهة المضادة التي تعني كدرا مضافا ما بعد المشاهدة، رغم وجود عدد محدود من المسلسلات التي أنتجت بحرفية عالية كتابة وإخراجا، لكنها لم تروّج لها بممثلين كبار، ربما لضعف الإنتاج.

للعمل الفني عمل إعلامي له رسالة وهدف وذات أبعاد مستقبلية يستطيع أن يفعل ما لم تستطيع فعلة رصاصات الدمار والقتل، هكذا يرى وهاب عادل مبيناً خطر تلك المسلسلات وتأثيرها على الأسرة عامة والنساء ذات الثقافة المحدودة خاصة، إذ يرى بأن تأثيرها يكون نفسيا من خلال عرضها للمسلسل بطريقة عاطفية أكثر مما هي علمية ،وتربوية .مؤكداَ في الوقت ذاته بأن الدراما العربية والعراقية أتهجت اتجاه مادي بحت، والمادة بطبيعتها تؤثر في العمل الفني في كافة جوانبه، لذا فأنها قد تكون مصدر لتهديم الروابط الأسرية، نتيجة ما تبثه تلك القنوات من أعمال مبتذلة ويذهب حامد بعيداً ، إذ يقول أن الحرب الإعلامية وخاصة بعد القفزة النوعية المتطورة في مجال تكنولوجيا البث الفضائي أجد أن بعض القنوات الفضائية أخذت تكرس جهدها في عولمة الأسرة عبر بث أعمال متدنية في الفكرة والعمل.

ورغم ذكل يبقى الإرث الذي يتمتع به الفن العراقي والنجوم الكبار الذين نعتز بهم قادرين على خلق عمل جاد وناضج يستطيع ان ينافس الأعمال العربية وبالأخص الدراما المصرية وكذلك السورية التي أخذت بالآونة الأخيرة ان تسير بخطى حثيثة للتجاوز محليتها وتصل الى المشاهد العربي لتكون منافس قوي للدراما المصرية مما يتطلب وقفة جادة ومسئولة من اجل الوصول بالدراما العراقية الى مرحلة أكثر تطورا وشمولا لخروجها من عزلتها المحلية وعدم اعتمادها على الإسفاف والتهريج واستغلال المواقف الكوميدية الهابطة وهذه دعوة للمؤسسة العامة للسينما والمسرح للنهوض بهذه المهمة لغرض خلق الأجواء المناخية الملائمة لاحتضان كافة الفنانين العراقيين وتوفير المستلزمات التي تساعدهم في أداء عملهم بصورة صحيحة تؤدي الى عملية الخلق والإبداع وتقديم ما هو أفضل لخدمة الحركة الفنية العراقية .

مقالات ذات صله