اخــر الاخــبار

الخالص.. ايقونة ديالى ورمزها في ثورة العشرين

 

كتب:علي سعد

الخالص، قضاء وبلدة عراقية تابعة لمحافظة ديالى. تقع شمال محافظة ديالى وتبعد عن العاصمة بغداد بحوالي 55 كيلومتر، يبلغ عدد سكان القضاء 350 ألف نسمة وتعد من أهم المناطق في محافظة ديالى ويمر منها أحد أهم الطرق الاستراتيجية في العراق الذي يربط الوسط بالجنوب. وفيها الطريق الاستراتيجي بين بغداد وكركوك، وتوجد في القضاء بساتين للنخيل والحمضيات.

وكانت تسمى (دلتاوة)، ويكتبها ويلفظها بعضهم ديلتاوة أصلها “دولة آباد” ثم جرى عليها التصحيف اللفظي فأصبحت “دلتاوة” كما تصحفت “شقلا آباد” الى “شقلاوة”. أو ما يرفق بها بكلمة (آباد) وتعني مدينة بالفارسية، كما (خرم آباد) وتعني مدينة التمر، والتي أصبحت على تخوم الخالص (خرنابات)، أو (خسرو اباد) أي مدينة خسرو قرب الموصل على موقع آشور التاريخي التي أمست (خرسباد).

 والخالص وهي من قرى النهروان في قديم الزمان، ولا سيما في عهد بنى العباس، ولم تذكرها معاجم البلدان المعروفة اما لصغرها، او لأنها كانت مجهولة عند مؤلفيها. كما أن المؤرخين لم يذكروها قط لأنها لم تحدث فيها حادثة عظيمة تستوجب ذكرها في التاريخ، وقد عثر على اسمها منقورا في جدران مصلى المدرسة المرجانية المعروفة اليوم بجامع مرجان في بغداد. فقد نقر مرجان وقفية مدرسته على تلك الجدران، أوقف (دولة اباد) و (نعمتاباد) وغيرهما على مدرسته المذكورة، والوقفية مؤرخة بعام (1358 م) أي من عهد السلطان أويس بن الشيخ حسن الكبير مؤسس الدولة المغولية الجلائرية في العراق.

أنجبت العديد من الأدباء والشعراء والمفكرين ومن ابنائها الشاعر محمد جميل شلش والاديب المرحوم صاحب المقولة الشهيرة قل ولا تقل مصطفى جواد ومنها برز قادة كبار في الجيش والوزارات

تبدأ حدودها الادارية من نهاية حدود بغداد الادارية فبعد ان تعبر الراشدية تبدأ قراها ونواحيها فبعد الراشدية هناك ناحية جديدة الشط ثم المنصورية ثم الحويش ثم جيزاني الإمام فسعدية الشط فالسندية وبعدها أكصيرين ثم الدوجمة ثم العظيم

اضافة الى جديدة الأغوات ثم جيزاني الجول وأبو تمر وأم نخل والتحويلة وهبهب والغالبية والخويلص.

تشتهر ببساتينها الوافرة وفواكهها وزراعة المحاصيل الزراعية يحدها نهر دجلة عن محافظة صلاح الدين وشمالها كركوك إلا أن في الفترة الاخيرة أضمحلت بساتينها لشحة الماء مع الأسف.

تقطنها عشائر عدة منهم العبيد والبو مفرج والعزة وبني تميم والجبور وبني سعد وغيرها من العشائر العربية وكانت المنطقة الوحيدة التي يكثر فيها السفرجل (الحيوه) بلغة اهل الخالص الا ان هذه الفاكهة اندثرت نهائياً.

ومركز قضاء الخالص، اليوم فهي متوسطة الحجم تبعد عن بعقوبة (20) كيلومترا شرقا وفيها، شارع رئيسي يعج بالنشاط الحضري، وتتفرع منه شوارع عرضية وأسواق متداخلة، وممران لا بأس بهما اذا قيسا بعمران قرى النهروان ففيها بنية تحتية مقبولة.  ويمر فيها نهر صغير يسمى(الخالص) فيكسب المباني القائمة على ضفتيه منظرا جميلا ونظرا لما يحيط بهذه البليدة من النخيل فإن الهواء فيها وخم، والحالة الصحية غير مستقرة، اما عدد نفوسها فإنه يقرب من (0000 1) نسمة، وعدد نفوس القضاء فهو (69311) نسمة بحسب سجلات عام 41 19م

طبيعة السكان

جزء من سكان مدينة الخالص من قبيلة العبيد، وهي قبيلة عربية يرجع أصولها إلى بني قحطان وهم يعتنقون الدين الإسلامي وكذلك تحوي الخالص عشائر كثيرة وكبيرة مثل عشيرة البيات والخزرج وعشائر العزة والمراسمة والعنبكية وبعض السادة الحسينية والقيسية وشمر.

وللخالص اسمٌ ثانٍ وهو دلتاوه أي القرية الغنية بثمارها.

ويوجد في قضاء الخالص مدينة أشرف والتي تضم معسكرات خاصة لمنظمة مجاهدي خلق المعارضة للحكومة الإيرانية.

مدينة الادباء

 ان مدخل هذه المدينة يبدأ من نقطة بيضاء مفادها لافتة مكتوبة في بداية القضاء موسومة بــمدينة الأدباء ترحب بكم، ولقبت مدينة الخالص بمدينة الادباء نسبة إلى عدد من الادباء الذين أنجبتهم ومنهم اللغوي والمؤرخ الأستاذ مصطفى جواد ويعد من عباقرة اللغة العربية وموسوعة معارف في البلاغة والسير والأخبار والآثار، كان مؤرخا معروفا وله مصادر تاريخية موثوقة يرجع إليها الباحثين والمهتمين في شؤون التاريخ. فكانت حياته الثقافية حافلة بالإبداعات في البحث والتنقيب والتخصص في اللغة وتاريخها فألف وحقق ما يثريها ويعمق من معرفتها والتمعن بها، باذلاً جهوده في الإحاطة بها وتدريسها لأكثر من خمس وأربعين سنة. وكان له برنامج مهم في التلفزيون العراقي بعنوان “قل ولا تقل”. وله نصب نحاسي يقف شامخا في مدخل المدينة ليستقبل المارة وهو مشير بإصبعه، وسبق وان رفع في زمن النظام السابق لكنه تم اعادته بعد سقوط النظام.

كذلك فيها العديد من الأدباء والشعراء والرسامين نذكر منهم، الأستاذ الأديب قيس عبد الكافي حسين وكتابه الفذ (أدب وأدباء الخالص في القرن العشرين).

وفي قضاء الخالص تأسس مركز الخالص للثقافة والفنون ليشكل نقطة محورية في استقطاب المثقفين في هذه المدينة التي تعرف بمدينة الأدباء منذ عقود طويلة.

من أهم المساجد

تحتوي الخالص على الكثير من الجوامع والمساجد ومنها:

جامع حذيفة بن اليمان.

جامع ذو النورين.

جامع عمر بن الخطاب.

جامع الخويلص.

جامع خضير النجم.

جامع الشهيد جلال.

جامع المصطفى.

جامع الاهالي.

جامع ابو نخل.

جامع الفتاح -الأقصى.

جامع سعد بن أبي وقاص.

جامع الخالص -عتبات.

جامع صريرات.

مدينة بلا شوارع

هذا العنوان هو عنوان قصة قصيرة، او قصيدة شعرية، ولكن هذا العنوان هو قصة حقيقية، لقضاء الخالص، فهذه المدينة التي عاث بها الارهاب دماراً وقتلاً وتهجيراً،

تعاني اليوم من اهمالٍ حكومي متعمد، فهذه المدينة لم تحظى بالاهتمام الكافي من قبل المسؤولين على القضاء، فكان الاهمال والتلكؤ، هو السمة البارزة على مشاريع القضاء التي هي بالغالب مشاريع وهمية، وغير موجودة على ارض الواقع، ولكنها موجودة على الورق الحكومي فقط !!

لذلك نشاهد غياباً واضحاً، للمشاريع الخدمية التي تهم المواطن في هذا القضاء، ومن هذه المشاريع الخدمية هي الشوارع التي تعتبر الشريان المهم، ولكن هذه الشوارع لم تشهد اي جديد خلال عشرة اعوام، منذ سقوط النظام السابق، بل على العكس شهدت انتكاسة من خلال تدمير الشوارع الصالحة بشكلٍ متعمد، او بشكلٍ غير مدروس، فكانت النتائج خيالية.. قضاء بدون شوارع صالحة! بل يوجد هناك شوارع مُدمّرة، وهذه الشوارع، هي عبارة عن شوارع من الطين والحصى، لا يوجد غيرها في هذا القضاء، باستثناء شارع المدخل فقط، هذا الشارع شمله التبليط لا غيره، والسبب هو ان هذا الشارع هو واجهة للقضاء.. فتم تبليطه اضافة الى الارصفة الجديدة والملونة الموجودة في هذا الشارع حصراً، أمّا الباقي فسوف نتحدث عنه من خلال عرضٍ مُفصّل.

شارع طريق المحكمة: وهو من الشوارع الرئيسية في القضاء، وهو شارع يربط الجهة الشمالية للقضاء بالسوق، وهو طريق حيوي مهم لا يمكن الاستغناء عنه، هذا الشارع اليوم، هو عبارة عن شارع من التراب والرمل والحصى، وخلال الامطار يصبح هذا الشارع عبارة عن بحيرة من الماء والطين، كان هذا الشارع في السابق من أجمل شوارع القضاء، ويسمى بالسابق، بشارع (الكورنيش) أمّا اليوم فذهب الكورنيش وبقي الطين فقط !!

شارع المنطقة الشرقية او ما يسمى بشارع بيت عزاوي، الرابط بين شارع النهر وشارع طريق الكوبات، هذا الشارع هو المعضلة الكبرى في القضاء، فمنذ اربعة اشهر وهذا الشارع الإستراتيجي المهم غير صالح للاستخدام البشري بالمرة، بسبب السياسة الخاطئة التي تم بموجبها إزالة الشارع السابق، والى هذه اللحظة الشارع هو عبارة عن بركة طينية كبيرة لا يمكن المرور من خلاله، وقد بدء الاهالي يشتكون تأخر المشرفين على هذا الشارع، بسبب عدم استطاعتهم الخروج من منازلهم خلال فترة الامطار، وما اكثرها هذا الشتاء.

شوارع منطقة الشرقية (الحلفة) والمناطق المحيطة بها ، هذه المنطقة تعتبر من اكبر مناطق قضاء الخالص بسبب كثرة ساكني هذه المحلة القديمة، هذه المحلة عانت من الاهمال في عهد النظام السابق واليوم تعيش نفس المعاناة من خلال الاهمال لهذه المحلة التي لا يوجد بها اي شارع من العصر الجديد!! نعم لا يوجد اي شارع بمعنى الكلمة، فهذه المحلة الكبيرة، تغط بمياه الامطار خلال فصل الشتاء، وبما ان الشوارع في هذه المحلة، هي عبارة عن الاتربة، فتخيل الوضع خلال فصل الشتاء. شارع المربعة، هذا الشارع الذي يربط القضاء بمدخل شارع السيد يوسف، يعتبر ايضاً من الشوارع المهمة، بل هو في غاية الاهمية بالنسبة لسكان المنطقة، والذي لا يبعد عن سوق الخالص سوى بضعة امتار لا غيرها، يعاني هو الآخر من الاهمال المتعمد من قبل الحكومة المحلية في القضاء، مع العلم ان هذا الشارع قد تم تبليطه قبل اشهر معدودة، أمّا اليوم فلا وجود للتبليط بالمرة بل يوجد الأسوء من ذلك. شوارع محلة عليبات ، يوجد شوارع في بعض المناطق من محلة عليبات ولكنها لا يمكن ان ترتقي الى مسمى الشارع لأنها عبارة عن شوارع مستهلكة ومدمرة وبالتالي يمكن ان نقول لا وجود للشوارع بالمنطقة والناس تعيش المآسي خلال فصل الشتاء، وخاصة في المناطق البعيدة عن الشارع العام، وتسمى بمنطقة (الخندق)، اضافة الى المنازل القريبة من النهر هذه المنازل تعاني من غياب واضح لكل انواع الخدمات المهمة ومنها غياب الشوارع .منطقة الكوبات، وهي من المناطق القديمة في القضاء وهذه المنطقة شبه خالية من عنوان اي شارع باستثناء الشارع الرئيسي الذي يربطها بمركز القضاء وهو عبارة عن اسم شارع متهالك بائس تغمره المياه في الصيف وفي فصل الشتاء، وبالتالي تعتبر هذه المنطقة خالية من الشوارع.

الحي العصري ، كانت هذه المحلة في السابق فيها أجمل شوارع القضاء على الاطلاق، وأمّا اليوم فشوارع هذه المحلة هي شوارع عبارة عن الحصى والطين، بسبب كثرة المشاريع الوهمية التي دخلت الى المحلة، فتم ترك الشوارع والاتربة في مكانها، مما تسبب بكارثة خلال فصل الشتاء، بسبب عدم استطاعة الاهالي من المرور وسط هذه الشوارع المحطمة. حي العمال، هو الآخر من الاحياء التي كانت بالسابق تمتلك شوارع جديدة ونظيفة في عهد النظام البائد، اما اليوم فالحال يرثى له، شوارع مستهلكة وقديمة وغير صالحة لمرور السيارات عليها، اضافة الى مشكلة تجمع المياه في بعض المناطق من الحي مما جعلها عبارة عن انهر صغيرة. محلة شويخيرات، هذه المحلة هي الأخرى شبه خالية من مسمى الشوارع العصرية، لأن اغلب شوارعها من الاتربة والحصى وهي غير صالحة خلال فترة فصل الشتاء. محلة شارع النهر (الشرقية)، تعتبر هذه المحلة من أقدم الاحياء السكنية في قضاء الخالص، ولكنها مع كل أسف ما زالت هذه المحلة تعاني من الاهمال وغياب المشاريع الخدمية فيها، ومن هذه المشاريع الشوارع هذه الشوارع النظامية تغيب عن هذه المحلة غياباً شبه كامل، والأسباب مجهولة. حي البيادر، هو من الاحياء الجديدة، ولكنهُ هو الآخر يعاني من غياب الخدمات الاساسية ومن ضمنها الشوارع الحديثة، فشوارع هذا الحي، هي عبارة عن شوارع ترابية غير صالحة للاستهلاك البشري خلال فصل الشتاء. حي الحسين، هذا الحي لا يمتلك سوى شارع رئيسي يربط الحي بمركز القضاء أمّا الباقي من مناطق الحي فلا وجود لمسمى شارع، بل يوجد شوارع طينية وفيضانات خلال فصل الشتاء بسبب الامطار، مما يجعلها من المناطق المنكوبة خلال فترة الامطار.

حي الزهراء، وهو من أكبر الاحياء الموجودة في قضاء الخالص، ولكنك تشعر بمأساة هذا الحي من خلال مدخله الطيني، وتخيل انت باقي مناطق الحي، هذه المناطق تغمرها المياه خلال فصل الصيف وخلال فصل الشتاء بسبب عدم وجود الخدمات الرئيسية المهمة في هذا الحي، وبالتالي فالحي خالي من الشوارع المبلطة لأن جميع شوارعه من الطين الخالص. حي الأمير والمناطق المحيطة به، يمتلك هذا الحي شوارعاً رئيسة فقط، أمّا داخل المناطق السكنية فحاله ليس احسن من غيره، لا وجود لشوارع نظامية بمعنى الكلمة فيه.

وفي الختام انا اعتذر من عدم ذكر اسماء بعض المناطق لكثرتها واكتفيت بالمناطق الأكثر تضرراً من غيرها، وانا هنا اناشد الشرفاء في وزارة البلديات ومجلس محافظة ديالى ومدير بلديات ديالى والمجلس المحلي لقضاء الخالص ومديرية بلدية الخالص على إعادة ترتيب القضاء والاهتمام به، لأن حال قضاء الخالص لا يسرُ عدواً ولا صديقاً، نحن نطمح بعد مرور عشرة سنوات على سقوط النظام السابق الى الافضل، لا العودة الى الاهمال، وترك المواطن يعاني بسبب غياب الخدمات المهمة، ومنها تبليط الشوارع الرئيسية والفرعية، وهذا ليس بالأمر الصعب على بلد ميزانيته 155 مليار دولار فقط لا غير!!

الخالص وثورة العشرين

آه يا مدينة الخالص، مدينة الاحبة والشهداء، مدينة الادباء والشعراء يا من عانيت من كر الجديدين وطوارق الحدثان الكثير والكثير فخرجت من المحن وأنت أصلب عوداً وأقل خموداً… أيتها المدينة العظيمة والوردة المطمئنة بزغ فجرك وعلا مجدك فأنت إشراقة شمس لا تعرف الافول… أنت غيث في صحارى أيامنا لقد كتبت تأريخك العظيم بأحرف من نور في ذاكرة الزمن… يا مدينة الكبار الراحلين العلامة مصطفى جواد والمبدع محمد سعيد الصكار وفؤاد عباس وحسين بستانه، يا بلد محمد حسين العبلي الذي استشهد على يد الفاشست الجدد في 19/تموز 1963… يا بلد الاحياء المبدعين أمد الله في أعمارهم المبدع العزيز قيس عبد الكافي صاحب كتاب “أدباء الخالص” والشاعر أنمار الجراح والشاعر الصديق باقر موسى الباقري والمربي الفاضل محمد محمود صالح والمناضل الكبير حسن حمود أبو سموأل عشرات لا بل المئات غيرهم …. يا بلد العوائل العريقة التي عانت من ظلم صدام عائلة آل الخدران البياتية وعائلة العلايسي وعائلة عبد ياسة وآخرون….

لم تكن ثورة العشرين في الخالص حادث يوم أو ثمرة غرور، وإنما هي نتيجة جهاد شعبي ونضال مرير تكتل من أجله الشيب والشباب والنسوة أياماً طوال فكان ثمرتها فك قيد من استعمر وطلب حرية واستقلالا وتبديل مجرى التأريخ بقلب صفحة سوداء قاتمة إلى أخرى بيضاء ناصعة طرزت بالدم، فبقيت خالدة ما بقي الدهر، فكانت مستهل تأريخ نهضتنا وفاتحة عهد استقلالنا ومفتاح باب حريتنا…. لقد هب أبناء الخالص الاوفياء في هذه الثورة ملبيين نداء الوطن دون أن تخيفهم قوة العدو البريطاني البغيض أو ترهبهم عدته وعدده، ولم يكن لهم معين في هذه الثورة العظيمة غير الروح الوطنية العارمة والملتهبة… على أثر سقوط بعقوبة في 1/آب / 1920 على يد الوطني أبن عبدكة أشتعل أوار الثورة في الخالص، يوم 10/آب 1920 لقد كان الحاكم العسكري لمدينة الخالص هو المستر لويد وكان حاقداً متغطرساً فقد كان يأمر أهالي الخالص بالسجود له … إن حماقة هذا الحاكم قد أججت الحماس والثورة لدى أهل الخالص فقد تجمع أبناء الخالص الشرفاء وبتوجيه من الزعيم الوطني محمد الصدر رئيس جمعية حرس الاستقلال حيث أستطاع هذا وبمساعدة الاهالي من السيطرة على الخالص في 12/آب/ 1920 بعد إن أستغل نقل القوات البريطانية من الخالص إلى بغداد (ذكر ذلك كوتلوف في كتابه ثورة العشرين ص125 مطبعة النهضة)… لقد جمع فرع حزب الاستقلال وجهاء الخالص وهم داود الجوهر وعبد الغني الخاصكي وعلوان العزاوي رئيس بلدية الخالص وشاكر حميد رشيد الفرج وعبد الخدران وجواد العزاوي والشيخ حبيب الخالصي وعبد الخالق الهاتف وعبد الحميد المصطفى وعبد العزيز الهويدراوي المجمعي، وانضمت لهم عشائر العنبكية بقيادة آل عبدال وعشيرة البو هيازع بقيادة المناضل أبو خشيم، حيث أستطاعت هذه المجموعة المناضلة الهجوم على سراي الخالص مقر دار الحكومة وأمطروه بوابل من الرصاص، ثم كسروا باب السراي مما أضطر الحاكم العسكري لمدينة الخالص الى الاستسلام وتم أسره وأسر من معه من البريطانيين والمرتزقة الهنود السيخ وسيقوا إلى دار الثائر رشيد الفرج ومن ثم تم نقلهم إلى مضارب حبيب الخيزران أحد قادة الثورة في دلي عباس، وبعد إن تم تحرير الخالص بالكامل وقف أبو خشيم شيخ عشيرة البو هيازع على صهوة جواده والقى خطبة عصماء في أهالي الخالص قال فيها (أيها الناس لا يأخذنكم الفزع ولا ينالكم الخوف فقد ذهب الغاصبون والمستعمرون وبقينا أحراراً نحن وشأننا وكلنا عنصر واحد وقلب واحد ونفس واحدة فعودوا إلى أعمالكم ….) وكان لرجال الدين الروحانيين دور كبير في تأجيج الثورة وخاصة مهدي الصدر وحبيب الخالصي ومحسن العاملي الذين بثوا الدعوة للثورة وتحريك الخواطر واستفزاز النفوس وعندما أستتب الامر للثورة وصل إلى الخالص الزعيم الوطني الكبير محمد مهدي الخالصي والذي كان رغم شيخوخته وكبر سنه يسهر طوال الليل مع الثوار على المتاريس وفي الطريق، كما عبر محمد مهدي الخالصي ويوسف السويدي إلى قبائل المشاهدة في الضفة الشرقية لدجلة يدعون الناس للثورة ضد المحتل حيث انتفض أهالي بلد وسميجة بعدها عاد يوسف السويدي إلى بغداد ورجع محمد الصدر إلى قرية الجيزاني واستقر في الخالص لتنظيم حركة الثوار. لقد ظل محمد الصدر طوال فترة الثورة في الخالص مسلحاً يقود الكتائب ويتقدم الجموع ويصمد أمام الحوادث وكان موقفه هذا درساً بليغاً ومثمراً للشباب الثائر الذين صاروا يقلدون قائدهم ويصمدون. أما أعداء الثورة قد سور أهالي الخالص المدينة وجعلوا لها أربعة أبواب عليها الحمايات، وقطعوا أسلاك الهاتف وهدموا القناطر حتى يصعب على الاعداء الوصول إلى المدينة، كما صعد شاب على دار الحكومة ومزق العلم البريطاني ورفع العلم العراقي بدله بين هتاف وتصفيق والناس، وزغردة النسوة كما استدعوا الوطني الملا محمد حسن لإلقاء خطبة بهذه المناسبة ثم عين الثوار عبد الوهاب العبلي من عشيرة ألبو مفرج مديراً للشرطة يساعده في ذلك عبد الدائم وكان من الشرطة المساعدين مهدي الخدران وعزاوي العلوان وسلمان السني وغيرهم.. وكل هؤلاء كانوا يقومون بالعمل طواعية… مر على سيطرة الثوار على الخالص أسبوع والثوار يقيمون السواتر والحاميات وترانيم الفرح وأهازيج الحرية بادية على محيا الجميع… وفي فجر اليوم الثامن من السيطرة وعندما كان الناس نياماً، وأغلبهم كانوا نائمين على السطوح، وهذه عادة العراقيين قديماً سمعوا هدير ست طائرات تحوم حول المدينة فهب الجميع والفزع باد على الوجوه، لقد أمطرت هذه الطائرات المدينة بوابل من القنابل وكانت كلما تفرغ حمولتها من القنابل تعود ثانية محملة بالقنابل وترمي الناس والمدينة وهي لا تفرق بين صبي وامرأة أو رجل، استمر هذا الحال أكثر من شهر والطائرات مستمرة بالقصف وعزيمة الثوار لم تثبط والثوار كانوا يحتالون بشتى الوسائل على المقاومة. أما عامة الناس فقد أختبأ أغلبهم في البساتين وفي الدور ذات الطابقين حماية من الشظايا …. وفي يوم 24/ أيلول / 1920 والذي صادف عاشر محرم 1339هـ حيث كان الناس يؤدون مراسيم عاشوراء، تضاعف القصف بشكل ملفت للنظر وأستعمل المحتل قنابر من النوع الكبير حتى كانت عند سقوطها تقلع النخلة من جذورها، وبعدها تقدم الجيش البريطاني ومعهم الهنود المرتزقة والجواسيس الخونة من الجهة الشرقية لنهر التحويلة، وكثفوا القصف بالطائرات والمدفعية مما أجبر الثوار على الاحتماء بالبساتين.. لقد كانت هذه المعركة حامية الوطيس وغير متكافئة فالجيش البريطاني أكثر عدة من الثوار يساعده في ذلك الجواسيس الخونة من أهل بعقوبة.. لقد أستطاع الجنود البريطانيون أسر أعداد كبيرة من أهالي الخالص وتم الاعتداء عليهم بوحشية لا توصف، حتى إن قسماً منهم سملت عيونهم، وحتى النساء لم تسلم من أياديهم المجرمة، كما سرقوا الذهب والأشياء النفيسة من البيوت ومن النساء والاطفال ولم يسلم من أيديهم حتى العجزة … فقد وجدوا مسدساً صدئاً لا يعمل عند أحد الشيوخ، وكان كبير السن، فأوثقوه ورموه بالرصاص. أمام أعين الناس، وإن شاباً من بيت الخاصكي حاول الهرب من قبضتهم فرماه جندي برصاصة في رأسه فوقع شهيداً فسحلوا جثته الطاهرة في الشارع.. كما أحرق المحتل دار الشيخ حبيب الخالصي وهدموا كثيراً من الدور.. لقد كانت هذه الحوادث نكبة كبيرة على أهالي الخالص استشهد فيها الشيب والشباب وحتى النساء …. وقد نظم المربي الكبير رشيد عبد علي صاحب كتاب (الخالص من تأريخ الخالص ) قصيدة عصماء يصف فيها هذه المجزرة الرهيبة وقد ابتدأها

اليـــــــــلى ما لدمعـــــــك قـــــد تجـــــــــارى

ومـــــــن عينيـــــــك ذا الشــــــــــــرر أستـــــــــــطارا

وفي الختام أستميح الاخوة القراء العذر وخاصة أهالي الخالص الاعزاء من إن الموضوع طويل والحوادث كثيرة لا يمكن جمعه في مقال واحد ولربما أغفلت بعض الشخصيات والرجال وبعض العشائر نسياناً لا عن عمد أو اختصار، متمنين لأهل الخالص الاوفياء الصحة الدائمة والعمر المديد.

مقالات ذات صله