الحمامات شعبية … موروث اجتماعي يواجه التلاشي وانتشار المسابح

بغداد _ متابعة

اكثر من عشرة آلاف حمام كانت موجودة في بغداد كما قدرها المؤرخ اليعقوبي في القرن الثالث الهجري (955م)، ثم تناقص عددها في القرن السادس ليصل الى الفي حمام فقط، اصل كلمة (حمام) من (حمى) باللغة العربية وتعني الحرارة المفرطة، ولما اشتهرت به الحمامات من درجات حرارة عالية لايستطيع ان يتحملها جميع الزبائن، واصبحت الحمامات جزءا مهما من حياة البغداديين منذ بدايات العام 1914 اذ اصبحت ملتقيات تشبه الصالونات الاجتماعية التي يجري فيها التعارف والتحدث عن مجريات الاحداث الخاصة بشؤون الحياة الثقافية والاقتصادية اوحتى السياسية، فاغلب البيوت لا توجد فيها حمامات كما في وقتنا الحاضر وكان فصل الشتاء يشهد اقبالا أكثر على محال الاغتسال والنظافة التي  كانت تنطلق منها اغلب مواكب اعراس أهل المدينة.

مازالت اجيال القرن الماضي تتذكر عادات وتقاليد اجتماعية اتت عليها مدنية الحياة وتطورها بتغيرات كبيرة تلاشت بسببها موروثات اجتماعية كانت سائدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينيات، اذ يقول الحاج رسن حمود الفكيكي صاحب محل بقالة : كان الحمام البغدادي ملتقى اجتماعيا تختفي فيه الفوارق الطبقية ولاتقتصر فوائده على النظافة فقط، بل كان يشبه النوادي الاجتماعية التي تتم فيها جلسات التعارف والاسترخاء وحتى ممارسة بعض المواهب كالغناء، كما كان بعض المعالجين بالطب الشعبي يمارسون اعمالهم داخل الحمامات ويروجون لادويتهم المصنعة محليا، ولم تكن اجور الحمامات تشكل اي عبء مادي حتى على الفقراء لان اجورها  رخيصة ولا كلفة فيها سوى لمن يريد ان يشتري الصابون من الحمام او يدفع للـ (مدلكجي) الذي توازي اجرته اجرة دخول الحمام لما يقوم به من جهد يتطلب خبرة فائقة في التعامل مع عضلات واعصاب الاجساد البشرية المتعبة.

غني كاظم ويسي (55) عاما صاحب محل لصنع السلاسل الحديدية في منطقة باب الشيخ استذكر ايام طفولته عندما كان والده يصطحبه الى (حمام السيد) منتصف  كل شهر ويجلس في الحمام لساعتين تقريبا يتبادل فيها الاحاديث مع الاصدقاء قبل واثناء الاستحمام في الصالة التي يرافقها في بعض المرات اداء لطقوس دينية كقراءة آيات من الذكر وبعض الادعية الخاصة بصحة الجسد، حتى انه كان يحفظ بعض النصوص ليقرأها على اسماع اصدقائه في المحلة والمدرسة، وكان الذهاب للحمام  من اوقات الراحة والاستجمام لدى رجال ونساء المحلات البغدادية التي تتخصص فيها الحمامات الرجالية عن النسائية التي غالبا ماتكون مخارجها منزوية وبعيدة عن الانظار كنوع من الحشمة للمرأة، ويبين ويسي ان اجور الاغتسال في الحمام كانت اجورا رخيصة ولاتتجاوز الخمسين فلسا (درهم) للشخص الواحد حتى نهاية ستينيات القرن الماضي وسعر (استكان) الشاي اوالدارسين 10 فلوس، واغلب الزبائن كانوا يجلبون معهم ادوات الاغتسال كالصابون والمناشف والبعض القليل يشتري ما يحتاجه من صاحب الحمام.

اما الحاجة هدية فرج فرحان من مواليد العام 1945 قالت : في العام 1965 كنا نسكن في منطقة المهدية وكانت حمامات النساء من افضل الاماكن لعقد اتفاقات الخطوبة والزواج فالبنات الشابات يرافقن امهاتهن وفي صالة الحمام كانت النسوة على اطلاع بكل مفاتن العرائس وصحتهن الجسدية المتعلقة بخدمة الزوج والمنزل والانجاب، حتى ان بعض النساء ممن يمتهن دور( الخاطبة) يجدن في حمامات النساء افضل الاماكن لممارسة اعمالهن، وفي حمام الفضل الخاص بالنساء كانت تجلس المرحومة(سنية) التي تحفظ اسماء بنات المنطقة وشبانها على ظهر قلب وتساعد في  زواج من فاتهن العمر، او من تريد ان تتزوج بعد فشل زواجها الاول، وبينت فرحان ان الحمام كان يؤدي خدمة اجتماعية كبيرة غير النظافة وهي القضاء على العنوسة مابين بنات وشبان المحلة، وليس في منطقة الفضل وحدها بل في بقية اغلب مناطق بغداد الاخرى، حتى ان بعض النساء كانت تذهب الى حمامات اخرى في جانب الكرخ كحمام (كهية) التي تمتهن ايضا موضوع التوسط في عقد الزيجات مقابل مبلغ من المال تحصل على نصفه في الخطوبة ونصفه الاخر بعد الزواج وهو لا يتعدى دينارا واحدا.

في حين يرى  ناجي خلف مذكور صاحب حمام  في منطقة النهضة قرب كراج نقل المسافرين تحدث عن تفاصيل عمل الحمامات في القرن الماضي وعملها في وقتنا الحاضر قائلا: كنا نملك حماما كبيرا في منطقة الشيخ عمر بالقرب محطة الاطفاء وكان ذلك في العام 1967 حيث وضعت الدولة يدها على الارض التي تملكها وقررت ازالة الحمام الذي كان موجودا منذ اربعينيات القرن الماضي حيث كان الوقود المستخدم  لتسخين الحمام  هو (روث) الحمير، اذ كان اصحاب الحمامات يشترون كميات كبيرة من فضلات هذا الحيوان من باعة الطابوق والجص الذين يطلق عليهم اسم (النكاكيب) وهم  اشخاص يمتلكون اعدادا كبيرة من الحمير، وينشأ من عملية احتراق (الروث) نوع من الرماد يميل الى الزرقة كان اصحاب الحمامات يجمعونه في اكياس ويبيعونه الى اصحاب (السكلة) التي تبيع المواد الانشائية ليقوموا بخلطه مع  مادة (النورة) ليتكون خليط متجانس يضاهي الاسمنت في قوته، وبين مذكور ان النفط الاسود كان النوع الثاني من الوقود بعد شيوع تداوله في الاسواق في بداية الخمسينيات ثم تطور الامر الى ماهو عليه الان في استخدام مادة النفط الابيض او الكاز (للواقدات ) الكهربائية التي تعمل على هذا النوع من الوقود، واشار مذكور ان الماء المستخدم في الحمامات كان مصدره الابار الجوفية التي تحفر داخل الحمامات قبل ان توجد خطوط انابيب المياه التي لم تكن موصولة الى جميع مناطق بغداد في ثلاثينيات القرن المنصرم اذ كانت مواقع الحمامات يتم اختيارها في مناطق تتوافر فيها المياه الجوفية على مسافات قريبة من سطح الارض لغرض سهولة توافر الماء ونقله داخل حوض التسخين وباقي اقسام الحمام الثلاثة وهي ( قسم التعرق) اوما يسمى بالساونة حاليا وقسم الاغتسال اللذان يكونان اشد حرارة وكثيفي البخار وصالة (المنزع) التي تصلها حرارة قليلة لانها تتعرض الى تيارات الهواء الباردة بسبب دخول وخروج الزبائن.

المؤرخ منعم عبد الواحد  اشار الى اشهر واقدم الحمامات في بغداد في جانبي الكرخ والرصافة، اذ اكد ان بعض الحمامات مثل (حمام شامي) الذي يقع في علاوي الشيخ صندل يعود تاريخ انشائه الى القرن السادس عشر الميلادي و(حمام ايوب) و(الجسر) اللذين يقعان  بجوار (مشهد بنات الحسن) يصل عمرهما الى اكثر من مئتي عام وكذلك حمام الجعيفر الذي يقع في جانب الكرخ، مبينا ان (حمام حيدر) في الرصافة و(الشورجة) و(حمام بنجه علي) مقابل سوق الصفافير و(حمام كجو) في باب الاغا و(حمام الباشا) قرب السوق الهرج و(حمام يونس) في محلة الميدان من اشهر الحمامات في الرصافة حتى انها كانت تجذب بعض الزبائن من جانب الكرخ، اضافة الى حمامات اخرى لاتقل شهرة عن سابقاتها  كحمام المالح الذي سميت المحلة باسمه وحمام الكهية  وحمام عيفان، وحمام القاضي بجانب المحكمة الشرعية الذي كان يرتاده تجار بغداد واغنياؤها وشخصياتها المهمة، كما كانت بعض الحمامات تجذب اصحاب المهن والحرف كحمام (السيد) في باب الشيخ و(الراعي) في محلة سوق الغزل في سوق العطارين وحمام (كيجه جيلر) وحمام (بكتاش خان)،  وبين عبد الواحد ان اكثر من 150 حماما اختفت من مشهد الحياة الاجتماعية في بغداد بعد ان تعرضت الى الازالة  والهدم بسبب حركة العمران في المدينة، ففي جانب الكرخ كان حمام (شامي) الذي دخل عليه شارع حيفا وحمام الجسر(ويقصد به الجسر العتيك أو جسر الشهداء) الذي صار مكانه ساحة لوقوف السيارات تابعة لدائرة التقاعد العامة وحمام (أيوب) أو ما أسموه حمام المتيم،الذي مازال بعض من معالمه حاضراً لكنه أهمل.

اما في جانب الرصافة عبر نهر دجلة من جهة جسر الباب المعظم، وباتجاه ساحة الميدان، كان هناك حمام يونس، الذي يقع على مقربة من مركز شرطة باب المعظم حاليا، وعند سوق (هرج) كان يوجد حمام الباشا الذي لم يبق منه حاليا سوى قبته وحل بديلا عنه بناء المصرف العقاري، ثم يأتي حمام قرب دائرة البريد التي كانوا يسمونها البغادلة (التيل خانه) ولذلك سمي بـ(حمام تيل خانه) ويقع مقابل الاعدادية المركزية، القريبة من ساحة الميدان في منطقة

القشلة. أما خلف الاعدادية المركزية، فكان هناك حمام قرب المستشفى العسكري، والمستشفى كان يسمى (الخستخانة) وسمي على اسمه، حمام الخستخانة، الذي هدم وحل محله نادي الضباط العسكري وتلك الرقعة تقع بالقرب من بيت الحكمة حالياً.

مقالات ذات صله