“الجورنال” تكشف أسرار الليلة الأخيرة لسقوط بارزاني في كركوك وكيف نجحت بغداد في دفن حلم “الدولة الكردية”

بغداد – الجورنال نيوز
اتجه قائد الحرس الثوري الايراني “قاسم سليماني”، يوم الاحد الماضي، نحو العراق، ومدينة السليمانية بالتحديد، من اجل لقاء الاتحاد الوطني الكردستاني، احد الاحزاب الرئيسية لاقليم كردستان. في حين ولعدة سنوات، حاول الاتحاد الوطني وشريكه الحزب الديموقراطي الكردستاني، تشكيل دولة مستقلة لكردستان، مرفوضة اقليميا ودوليا، من قبل حكومة بغداد، وايران، وتركيا، واميركا. لكن عند اجراء استفتاء اقليم كردستان، الحلم الكردي لم يبدُ بعيد المنال. وحسب تقرير صحيفة “نيويوركر” الاميركية الذي ترجمته «الجورنال نيوز»، لا يمكن معرفة الكلام الذي همسه “قاسم سليماني” في مسامع قادة الاتحاد الوطني الكردستاني، لكن وفي غضون ساعات قليلة، تركت قوات البيشمركة التابعة لـ”طالباني”، مراكزها في كركوك، فاسحةُ المجال لقوات الحشد الشعبي، نحو الصفوف الامامية، معمقة بذلك انقسامات القيادات الكردية. في حين وصف احد السياسيين الاكراد، لحزب بارزاني، هذه الخطوة بـ”الخيانة”.
ووصف السیاسي الكردي البارز محمود عثمان،إدارة رئیس الوزراء حیدر العبادي للازمة مع شمال العراق بأنھا أشبه بالسكین الناعم الذي یذبح من دون أن یجرح. وقال عثمان في تصریح صحافي، أن “بارزاني أراد جر العبادي إلى مواجھات عسكریة من اجل أن یصبح ھناك نزیف دم يضطر
الطرفین إلى التفاوض على نتائج الاستفتاء، لكن العبادي افشل المخطط”. مشیرا إلى أن “الرجل التنفیذي الأول تعامل مع الوضع الملتبس والمشتبك بروحیة المسؤول عن امن العراق وعقلیة القائد السیاسي الذي یفكر قبل أن ینفعل ویخطط قبل أن یقرر”.
وبیّن عثمان أن “رئیس الوزراء أدار الأزمة مع شمال العراق باسترخاء عجیب أصاب بارزاني بھستیریا وجعله یفقد صوابه”.وأضاف إن “الشارع العراقي لم یسمع من العبادي جعجعات وتھدیدات فارغة كما ھو مألوف وشائع في مثل ھكذا أزمات وإنما لمس إجراءات ھادئة تستند إلى ثوابت الدستور، وتحافظ على اللحمة الوطنیة، والاھم أن العبادي نجح في كسب تأیید إقلیمي ودولي واسع عززه دعم المرجعیة التي عبرت عن رفضھا للاستفتاء بوضوح لا یقبل اللبس”.
من جهة اخرى، تمت اتفاقية انسحاب حزب طالباني بموافقة ارملة طالباني “هيروخان “، ونجله “بافل”، وابن اخيه “لاهور”، ولم يتم تأكيد بنود الاتفاقية، لكن مصادر رسمية اشارت الى تقديم “سليماني”، مختلف انواع التهديدات، ووسائل الاقناع السرية،. ونوهت الصحيفة في ختام تقريرها، بان “طريق حصول اقليم كردستان على الاستقلال، ازداد صعوبة حتى اصبح شبه مستحيل”.
وتقول ھیئة الإذاعة الألمانیة في تقرير نشره موقعھا الالكتروني، أخيراً، إن “الخلافات المتواصلة بین حكومة بغداد وقیادة إقلیم كردستان بخصوص استقلال الإقلیم لیست في طريقھا الى أن تحل قريبا، خاصة بعد التصعید العسكري الأخیر على إثر تدخل القوات العراقیة واستعادة سیطرتھا على مواقع حیوية من مدينة كركوك بما في ذلك مبنى المحافظة”. ويضیف، أنه خلافا للتوقعات والمخاوف، لم يسفر تدخل القوات العراقیة في كركوك عن مواجھات مع قوات البیشمركة التابعة لقیادة الإقلیم حیث انسحبت الأخیرة مفسحة المجال للقوات العراقیة للسیطرة على مبنى المحافظة ومواقع حیوية فیھا من دون مقاومة. وتابع، أن “كركوك عادت إلى الواجھة اخيراً بعد أن أشعل إشراكھا في استفتاء إقلیم كردستان العراق الخلافات الموجودة أصلا بین بغداد وقیادة كردستان، بسبب استفتاء يسعى من خلاله كرد العراق للاستقلال، بینما ترفضه بغداد وتعدّ نفسھا غیر ملزمة بنتائجه”. وبالإضافة إلى مواردھا النفطیة الكبیرة ولكونھا خامس أكبر مدينة عراقیة من حیث السكان، تتمیز كركوك بتنوع القومیات التي تعیش فیھا من كرد وعرب وتركمان وسريان بالإضافة إلى أقلیات أخرى. وتسیطر البیشمركة على المدينة منذ 2014 .ويقول التقرير إن الجیش العراقي واجه انتقادات كبیرة عندما انسحب من كركوك صیف 2014 مفسحا المجال أمام تنظیم داعش للسیطرة على المدينة، مشیرا إلى أن التوتر بسبب كركوك وصل إلى تحذيرات ووعید متبادل بین أربیل وبغداد لدرجة اعتبار بغداد إرسال قوات من حزب العمال الكردستاني إلى كركوك بمثابة “إعلان حرب” على الرغم من أن القیادة الكردية نفت ذلك. ويرى التقرير أن انسحاب البیشمركة بھذه السھولة من المدينة يثیر الكثیر من التساؤلات.
الخبیر المصري والباحث في مركز الأھرام بشیر عبد الفتاح عزا ھذا الانسحاب إلى أن القوات العراقیة كان لديھا إصرار كبیر على استعادة المدينة وكانت مرفوقة بقوات الحشد الشعبي ما يعني أن أي مواجھة من البیشمركة كانت ستعني معارك عنیفة وربما حدوث مجزرة، إلا أن حدوث مجزرة كان سیؤثر أيضا على الرأي العام الكردي وسیحمل بارزاني مسؤولیة تحويل الاستفتاء من وعد بالاستقلال والأمان إلى الدخول في معارك وخراب وھذا ما سیؤثر بالتأكید على مستقبله السیاسي.
ويقول التقرير إن التضارب في المواقف حیال حملة بغداد جاء لیعزز ما راج في السابق عن وجود خلافات داخل الدوائر الكردية نفسھا بخصوص موضوع الاستفتاء وتوقیت تنظیمه كما أنه أضعف الموقف الكردي، وھو ما يؤكده الخبیر المصري عبد الفتاح بالقول “بالتأكید توجد خلافات حول الاستفتاء برمته خاصة بعد الضغوط لإقلیمیة والدولیة، إذ كانت فئة كبیرة من الكرد متحمسة للاستفتاء في البداية لكن في الأخیر أصبحت تفضل العیش في إقلیم يتمتع بحكم ذاتي مستقر وآمن على الدخول في مشروع دولة محفوف بالمخاطر تعارضه قوى إقلیمیة كبرى تحیط به. من جھة أخرى بغداد استغلت الانقسام الموجود بین الكرد وسھل علیھا دخول كركوك”. ويضیف عبد الفتاح أن الدخول في مشروع الاستفتاء في ھذا التوقیت بالإضافة إلى مسألة ضم كركوك أمور غیر متفق علیھا كرديا، وتواجه بانتقادات من كتل سیاسیة كردية بما فیھا الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه بارزاني، إذ تعدّ بعض الأصوات الكردية، بحسب عبد الفتاح، أن “ھذا الاستفتاء بھذا الشكل وھذا التوقیت ھو مشروع شخصي لبارازني، يسعى من خلاله لتجديده شرعیته السیاسیة، أكثر منه استفتاء استقلال بالمعنى الحقیقي.
وحسب تقرير مجلة “فورين بوليسي” الذي ترجمته «الجورنال نيوز»، فان عملية كركوك أكبر دليل على نجاح “العبادي” بأصعب منصب في العالم. وأمر “العبادي”، يوم الاحد الماضي، القوات الامنية العراقية والحشد الشعبي، بالتوجه نحو مراكز كركوك النفطية والحكومية، في ظل استمرار القتال على تنظيم داعش، كان خطوة جريئة جدا من قبل “العبادي”، ردا على إجراء حكومة الاقليم الاستفتاء في مناطق سيطرة حكومة بغداد الفيدرالية. واستطاع فرض السيطرة على كركوك من جديد، واثبت نفسه قائدا حاسماً في وجه المهمات الصعبة.
ان تكون رئيس وزراء دولة كالعراق، يعني ان تقاتل تنظيم داعش الارهابي، ان تمنع استغلال البلاد كساحة حرب للخصوم الدوليين، ان تجتهد لضمان دفع جميع رواتب الدولة وقطاعاتها، ان توقف التهام الفاسدين للبنية التحتية الاقتصادية، ان تضع حدا لكل حزب سياسي يحاول عرقلة شؤون العراق الامنية. ان حقيقة استمرار “العبادي” وصموده منذ عام 2014، هو امر يؤهله للمحافظة على منصبه لولاية رئاسية اخرى، وسيحقق ذلك بالتأكيد، لكونه رئيسا قاد بلده من حكم داعش نحو التحرير، مستمرا بالقضاء على كل ما قد يسبب عودة التنظيم الارهابي من جديد، علما ان بغداد شهدت العام الحالي، اقل معدل تفجيرات ارهابية منذ 2003. كما تم تحسين امن جهة الانبار الغربية، فاسحاً ذلك المجال لإعاده فتح الطريق السريع لـ(بغداد-عمان) بعد عدة سنوات على اغلاقة.
وسلطت “فورين بوليسي” الضوء على مواجهة “العبادي” لتحديات جديدة في الاشهر المقبلة، بعدما تم التأكد من نية استفتاء اقليم كردستان، بخلق النزاعات العسكرية في المناطق المتنازع عليها. بالاضافة الى تحد اخر، هو ايقاف اعتماد اقتصاد العراق على انتاج النفط، يجب على “العبادي” التشديد على استمرار الاستثمارات الاقتصادية والمشاريع الشبابية، للنهوض بثروة الايادي اليافعة العراقية، والنسبة السكانية المتزايدة.
ولربما ان اكبر هدف داخلي لحكومة “العبادي” هو القضاء على الفساد، ومن يختبأ وراءه من السياسيين العراقيين، المسببين لاستمرار فقر الشعب العراقي، والعاكسين لايجابية كل مشروع استثماري، فالبرلمان العراقي مكون من احزاب سياسية سارقة صغرى وكبرى، كل منهم يعتمد على نفوذه واصواته في قرارات المجلس، علما انه مع كل زيادة لنفوذ “العبادي” دوليا، يثبت اعضاء الاحزاب استطاعتهم على وضع العقبات في طريق نجاح الدولة العراقية امام دول العالم، سيتخلص العبادي من جميع “طفيليات” قطاعات حكومته المركزية، المتغذين على اموال الشعب المضطهد، مع دعم اكبر عنصر اسلامي في العراق “أية الله العظمى السيستاني”، حين حث “العبادي” على اقصاء الفاسدين، قائلا “اضرب بيد من حديد”.
اما بشأن الانتخابات المقبلة، فيحتل “حيدر العبادي” الصدارة، بفضل قيادته لدحر تنظيم داعش، مكتسبا بذلك مكانة واحتراما دوليا، حيث علق احد دبلوماسيي الاتحاد الاوروبي بهذا الشأن، وقال “نرغب ببقاء العبادي في السلطة، وسنوفر له كل الدعم الذي يحتاجه من اجل تحقيق ذلك”.
وفي ختام تقريرها، اكدت “فورين بوليسي” ان “العراق ذو مقدرة خيالية بالقضاء على كل العقبات والمشاكل، بوجود القيادة المناسبة، وان البلاد الان في طريقها للاستقرار، وفرض الامن والسيطرة على جميع مناطق العراق الشمالية والجنوبية، بوجود احترام ودعم جميع دول العالم، نحو افضل دولة محارِبة للارهاب في الشرق الاوسط”.

مقالات ذات صله