الثقافة العربية في لحظتها الراهنة واحتياجها للعلاج نفسي لتعرف على جيلها الحقيقي

بغداد _ متابعة

للثقافة وجوه عدة لا تنحصر فقط، كما يبدو في المكتوب والمقروء، لكن في مفهومها الأشمل صيغة للحياة، أفكارا ومعتقدات وسلوكا إنسانيا، ربما بذلك ندرك أهمية ما تمر به الثقافة العربية في السنوات الأخيرة من تعقيدات وتشوهات تمكنت منها. ويدور التساؤل حول ماهية الأزمة، هل تكفي عمليات التجميل كمحاولة للإنقاذ؟ أم أن الأمر يحتاج إلى الكثير من السعي والنضال في سبيل الاحتفاظ بالوجه الإنساني للثقافة العربية، وقبلها بالطبع الإنسان العربي؟ هنا آراء بعض من المثقفين العرب عن الحال أو المأزق الذي نعانيه.

بداية تقول الروائية والباحثة المغربية سعيدة تاقي، من الضروري قبل التأسيس لفكرة مدى حاجة الثقافة العربية لعمليات التجميل، أن نتساءل ماذا نقصد بالثقافة العربية؟ وللتخصيص ماذا نقصد بالثقافة العربية بدون مواد حافظة، أو محسنات الطعم المضافة، أو إخراج فني فخم أو بهرجة دعائية؟ هل مازال لدينا ما يمكن تخصيصه بتوصيف «عربي» بالفعل؟ ما نواكبه حاليا من ثـقافة، هي ثقـافات متداخلة وملتبـسة وعابـرة للحـدود والجـمارك واللغات، يصعب حصرها أو تحديدها أو الإقـرار في شأنها بحـكـم واحد تعـميـمي. وفي ظل التباس الصور والنسخ والظلال لا يمكن أخذ البعض بجريرة الكل، والعكس صحيح. لكن لنترك قليلا إشكال الخصوصية الذي لا تكاد تسلم من تبعاته في عصرنا الراهن أي هوية، وأي ثقافة، ولننظر في الثقـافة ذاتها التي ننتمي إليها ونحن نصنعها، وتنتمي إلينا وهي تصنعنا. إن الثقافة هي ذات وهوية قد نركن إليها ونؤمن بها وننتسب إلى أركانها، وقد ننتقدها أو ننكرها أو نجافيها أو نخاصمها، وندعي لذواتنا ثقافة أخرى غيرها. وهو الأمر الذي يلوح جليا كلما قاربنا خواص الثقافة داخل المجتمع الواحد من جيل إلى آخر، فكلما اتسعت المسافة «الجيلية» بين الأفراد تغيرت القيم والمنظورات والأولويات، ليس من منطلق أن ما يؤمن به جيل ما، قد لا يؤمن به جيل آخر، وإنما من منطلق أن السرعة التي يشيِّد بها العالَمُ حاليا جديدَه ومتغيِّرَه وابتكاراتِه لا تعاصرها كل الأجـيال المختلفة بالوتيرة نفسها، ما يخـلُـق على مستـويات التلـقي والتجـاوب والاندماج والانشـغـال والإيـمـان والسـلـوك، مَـدارجَ ومسالك قد تبلغ أحيانا حد التنافر والتعارض والتصارع.

وتضيف تاقي، أن الثقافة ليست حكراً على المثقفين، وليست شأنا للمُحلِّلين أو المُنظرين فحسب؛ تعالَج بين دفات الكتب ورفوف المكتبات، وعلى منابر الندوات وفي فصول الجامعة، وبين أوراق المكاتب والمديريات والدواوين. إنها شأن يعاش يومياً، وحياة تُفرز قيمها الاجتماعية والنفسية والفكرية والجمالية والدينية والسياسية والاقتصادية بشكل متواتر ومتلاحق، يصعب أحيانا الإلمام بطَـفْـراته وتستحيل الإحاطة بكل حيثياته واشتراطاته. لأجل ذلك يحـيا المـثـقَّـفُ شأنه شـأن الإنـسان الذي لا تشغله هموم الثقافة، الأوضاعَ نفسها، وتصلهما معا المعطيات ذاتها، ربما في اللحظة ذاتها، بحكم التـحرير الإعـلامي والتحرُّر المعـلوماتي والنشر الإلكتروني، وتعدد الـوسـائـط والأقـمار الصناعية والنواقـل المعرفية والإعلانية والإعلامية. لكن بينما يعـمد الأول إلى موازاة الحـياة الثقافية بالتحليل والتـأمل والتفكيـك والتنظير والاستشراف، يكتفي الثاني باستهلاك السائد، فليست وزارة الثقافة هي التي تسيِّج بدواوينها «مَأْسَسَة» الثقافة الموسومة بـخصوصية ما. وليست المؤسسة الرسمية بمفردها من تسعى إلى تجميل «الوجه البائـس» لـما يحظى به الـشأن الثـقـافـي من اقـصاء وتهميش وتضييق على الجوهري وتضخيم وتصدير وتمويل للتافه، بل كل المتدخلين في إنتاج الخطاب الثقافي، أو ترويجه أو تداوله أو تسويقه أو الدفاع عن قيمه أو الحرص على سيادتها أو استمرارها وخلودها، بما في ذلك قـوى الإعـلام والـصناعة والـسـياسـة والمجتمع، وغيرها من سلط رمزية – تصنع يوميا شكل الحياة، أو تدعمه أو تحافظ عليه أو تدفعه إلى التغيَّر أو التعديل أو التدجين أو التنميط.

وترى إخصائية التنمية الليبية هدى الغول، أن الغرض من عملية التجميل؛ هو إيجاد حل لخلل حدث، إما بسبب عيب خلقي أو حادث خارج عن الإرادة أدى إلى تشوه في الجسم أو أحد مناطقه، ومن هنا يمكننا القول بأن الثقافة العربية هي جسم أو بنية خلقت بعيب واضح هو محور الوجع الحقيقي للمثقف العربي ــ المنتج والمتلقي ــ والمتمثل في التعليم وطرقه وأساليبه الضعيفة المستوى، والضيقة في الحدود في نطاق عمليات انتقالية، وليست وسيلة للتنمية وتوسيع الإدراك والمعرفة، وهذا جعل منا بلداناً متخلفة، تسكنها مجتمعات لديها مشاكل نفسية عميقة، ومشاكل اجتماعية معقدة صعبة الحل، فالتعليم له دور سلبي ومنحرف المسار عن كونه أداة لصنع الثقافة الشاملة، وبالتالي فإن عملية التجميل لهذه الأداة تتركز في خلق هيكلة جديدة، واستراتيجية تنموية طويلة المدى، لاستخدام التعليم وسيلة إيجابية لخلق مجتمع متكيف ومتناغم خال من العاهات الاجتماعية والعقد النفسية، الذي بدوره ــ أقصد التعليم الإيجابي ــ يخلق الكاتب المبدع والقارئ المميز وسينتج لنا محصلة ثقافية بالنظرة الشمولية للثقافة.

ويضيف الشاعر والكاتب الليبي خيري جبودة، أعتقد أن الثقافة العربية بحاجة إلى استخراج سجلها العائلي وتاريخ ولادتها، لأنها لا تحتاج إلى عمليات تجميل بقدر احتياجها لعلاج نفسي يعيدها كي تعرف جيلها الحقيقي، وما تحتاجه كي تفهم هذا العصر، لأنها ثقافة مصابة بالتوحد، هذا من جهة الفكر، ومن الجانب الآخر للثقافة العربية في مجال اللغة والنقد، أعتقد أن الثقافة العربية لا تزال محاصرة في مجال الدراسات اللغوية والنقدية، التي قام بها مؤسسوها أمثال الجرجاني، والأزمة العميقة في ثقافتنا العربية، أننا لم نعرف من منجزها الكبير، إلا أجزاء صغيرة كان من بينها ما حققه المستشرقون.

وتتساءل الكاتبة الأردنية مُسيَّد المومني، إن كان الداخل مشوها، فما فائدة عمليات تجميل تلامس المظهر، ما دامت البشاعة ستمكث في ما نظن أنه الجوهر، الذي هو محتوى النتاج الثقافي بكافة أجناسها الأدبية؟ وللأسف نقول بأن كثيرا ممن يدعون الثقافة ربما يهتمون ببهرجة أغلفة الكتب، ويتخيرون العناوين البراقة لجذب انتباه القراء في ما يظنون، أكثر من اهتمامهم بمكنونات المنشورات، وهذا يقودنا إلى أن الثقافة العربية تحتاج إلى اهتمام بالعمق، وأولها إحياء اللغة العربية كأجدى خطوة لتمكين المنتج الثقافي، حيث اللغة محمل الفكر، ثم التركيز على مصادر استسقاء الثقافة المرجوة والاهتمام بماهية المعلومات الموثوقة، ومن بعد البحث عن منابع وأصول الثقافة، أو البناء على ما هو متوفر وتطويعه ليواكب التغييرات الفكرية المتسارعة. وللأسف مرة أخرى نقول بأن الثقافة العربية تقوم على الأطر الشخصية الضيقة، سعيا لتحقيق بعض الشهرة الإعلامية التي لا تدوم طالما أن المثقفين يأنفون من النقد الأدبي الحصيف، ويبتعدون عن مزاولة حرفة الكتابة بضمير الأمة، ويكتفون فقط بعدد الإصدارات واقتناص الثناءات، ممن يحظون بصحبتهم. أخيرا يمكن القول بأن الثقافة تحتاج إلى توسيع مدارك المثقفين، وزيادة اطلاعهم، والتأكيد على كل ما سبق بغرس بذرة الهم العام، كرسالة أخلاقية وإنسانية في الضمائر قبل العقول، فلا يمكننا أن ننتظر صلاح حال الثقافة شكلا، طالما أن الجسد من داخله وبكامله موبوء.

وتقول الشاعرة اللبنانية تغريد فياض، إن الثقافة العربية تمر، كما الأمة التي تنتمي إليها بمنعطفات زلقة وخطرة جدا. نسبة إلى التغييرات الاجتماعية الكبيرة، من حيث التقدم التكنولوجي في العالم، فحين أصبح العالم قرية صغيرة بسبب تطور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حدث التغيير الكبير في نفوس الشباب والأطفال. لا أقول إن الثقافة العربية تحتاج إلى تجميل، بل إلى عمليات زرع أعضاء، واستبدال الأعضاء الفاسدة التي وصلت إلى حال متردية في أغلب البلاد العربية، نتيجة استسهال بعض الأهالي لترك أولادهم فريسة لأدوات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.

مقالات ذات صله