التسول.. ينتعش في الكرادة وأعداد المتسولين تثير التساؤلات

 

بغداد -عبد الجبار العتابي

الجلوس في مقهى او كافتريا في الكرادة لم يعد مريحاً ولا يمكن لاثنين ان يتحاورا بشكل منتظم لان هناك من سيقطع حديثهما بين دقيقة واخرى ويتدخل بشكل سافر حد ان الجليسين يشعران بالغضب والالم والامتعاض فيطأطان رأسيهما او يشيحان ببصرهما بعيدا عن الواقع، والسبب ان هؤلاء المتسولين الذين يجوبون شوارع الكرادة مثل موج في ظاهرة غريبة وملفتة تثير العديد من التساؤلات التي ربما تكون اجاباتها حاضرة.

يشهد حي الكرادة وسط بغداد بروز ظاهرة المتسولين بشكل كبيرة حيث الاعداد الكبيرة منهم تجوب شارعها الرئيسي على جانبيه وتراهم يدخلون المحال التجارية والمطاعم ويستوقفون العابرين والمارين واياديهم ممدودة وكلماتهم تستفز السامع لاسيما انهم يختارون الاكثر تأثيراً على النفوس وفي الظرف الحالي كأن يكون المواطن في عيادة طبية فهناك استجداء بدعاء الشفاء واذا ما كان مع زوجته فالتسول مقرون بالدعاء ان يحفظ الله الزوجة او الطفل او هناك طرق التسول باليتامى والمرضى (اعطني من مال الله) وهؤلاء لا ينفكون يتركون المواطن الا بالردع او كلمات (الله يعطيك او يرزقك) لاكثر من مرة، والبعض منهم لا يشلع نفسه الا ان يدفع له البعض، وهؤلاء يمرون بالمئات وليس بالعشرات، من مختلف الاعمار ويتذرعون بحجج مختلفة منها انهم لاجئون او مهجرون او مرضى او اصحاب يتامى او يتامى او ليس لهم معيل وليس غريباً ان تكون اللهجات مختلفة هي الاخرى، واذ يمكن القول ان ظاهرة التسول ليست جديدة فالملفت هي الاعداد الكبيرة التي تجوب المكان.

في تلك الكافتريا التي يرتادها الفنانون والمثقفون لا يمكن لاحد ان يكمل جملة مفيدة مع صديقه او اصدقائه من دون ان يقطع حديثه متسول صغير او كبير، وهو يمس الاجساد ويدفع يده وسط المجموعة مع كلمات تسول شديدة الوقع، وما ان يذهب هذا المتسول او المتسولة حتى يندفع آخر وهكذا، ولا يستطيع صاحب الكافتريا او العاملون فيها منع ذلك لان من الصعب كبح جماح هذه الاعداد التي تأتي فرادى وجماعات.

قال احد الجالسين: لم ار اسوأ مما ارى الان، وانا لا احتمل بصراحة مشاهدة كل هؤلاء الصغار والكبار وهم يدورون في كل مكان، انا اعلم ان وراء البعض منهم مافيات وعصابات الا انني اعتب على الدولة التي تتركهم هكذا وبهذا الوضع السيء الذي يسيء للانسان نفسه ولا اعرف حقا ما مشاعر الناس العاديين وهم يتفاجأون بهؤلاء الصغار وهم يتسولون هكذا.

 واضاف: في الدول التي تحترم نفسها يعتبر الصغار ثروة وطنية لذلك يتعاملون معهم كثروة وطنية حقيقية ويؤكدون على الآباء عدم الاساءة لابنائهم لذلك هم يعلمون الصغير متى يتصل بالبوليس اذا ما تعرض لاذى من الوالدين، وهناك يهتمون بالطفل اهتماماً كبيراً ويوفرون له كل متطلبات العيش الكريم بينما نحن لا نهتم لذلك ولا يمكن ان نتنبأ بما سيكون عليه هؤلاء الصغار الذين هم مشاريع جاهزة للجريمة وللبغاء وليس اسهل من هؤلاء ان يتم توريطهم والتغرير بهم لان المتسول يعتبر نفسه عارياً من اي شيء..

في تجوالنا بالكرادة ومحاولة رصد ما يسلكه المتسولون من سلوكيات، فقرب احد المطاعم كان المتسولون يقتحمون المكان ويسكبون ادعيتهم وتوسلاتهم فيما الذين يتانولون الطعام يمتعضون، سمعت احدهم يقول لصاحبه (سووها لقمة سم علينا) وصاحبه يقول له (مو جديدة تعودنا على المتسولين حتى صارت مهنة جيدة يكسبون منها الكثير) .

سألت احد اصحاب المطاعم هناك عن تفشي هذه الظاهرة بهذا الشكل الكبير، فقال: صحيح ان ما اشاهده من اعداد كبيرة للمتسولين شييئاً غريباً فعلاً واعتقد ان الظرف الحالي هو السبب فالكثير من هؤلاء عرب وخاصة من السوريين وهناك من النازحين الذين تقطعت بهم سبل الحياة فلم يعد لهم مورد رزق، وانا اشعر بالحزن على النساء المتسولات اللواتي يحملن صغارهن بين ايدهن او يرمنهم امامهن على الارض.

 واضاف: اعتقد ان الدولة تتحمل الجزء الاكبر من تفاقم هذه الظاهرة التي لا يمكن السكوت عليها، فانظر اليهم يسيرون طوابير ولا يتركون ماشياً من دون ان يوقفوه ولا محلاً من دون ان يدخلوه وهذا يسيء الى البلد قبل اي شيء وللاسف صارت الكرادة اكبر مكان للتسول.

وأوضح: لا زالت الناس تتجاوب مع المتسولين لان المجتمع العراقي معروف بطيبته، وهذا التجاوب مع المتسولين طبيعي وعفوي لانه نتاج ثقافة مجتمع يعطف على الفقراء ونتاج ثقافة دينية  لا ترد السائل، على الرغم من ان اغلب الناس يعرفون ان هؤلاء المتسولين يحصلون على اموال كثيرة ن خلال سؤالهم للالاف من الناس يوميا وتراهم في كل مكان.

من جانبه قال ايهاب محمد اعطى لمتسول بعض النقود: لا نستطيع ان نرد سائلا ونحن نعرف انه يمتهن الكدية ويبرع فيها وهو يخترع اشكالاً والواناً من التوسلات التي تستفز مشاعر الاخر، احياناً اشعر انني اعطي هذا المبلغ البسيط دفعاً للبلاء لان بصراحة كلمات بعضهم مفزعة وهو يقول (الله يخلي اولادك، المال مال الله اعطني منه) .

في الكرادة سواء في النهار او الليل لا شيء يختلف من حال المتسولين الذين يبحثون في الارجاء عمن ينتزعون منه بعض المال بقوة التودد والمسكنة، واذ يعتب الكثيرون على الدولة فهناك من يجد ان الحلول موجودة للحد من هذه الظاهرة المؤسفة، فالحلّ موجود في الدين الاسلامي الذي لم يترك أي أمر إلا ووضع له علاجاً، فالحل يكمن حسب الكثيرين في الزكاة هي التي تحمي المجتمع من التسوّل الذي سببه الأساسيّ هو الفقر بالتأكيد والحاجة والعوز.

ويشير البعض الى (دور وسائل الإعلام في محاربة ظاهرة التسوّل عن طريق التثقيف والتوجيه، وحثّ الناس على الإنفاق والتكافل الاجتماعي، وحثّهم على تأسيس الجمعيات الخيرية ودور العجزة والأيتام، إضافة إلى ما تقوم به الدولة من مشاريع بناء دور العجزة والمعوقين، واستثناء الفقراء من أجور الدراسة والعلاج إلى غير ذلك، فالوقاية والعلاج لظاهرة التسوّل لابد وأن يتعاون فيها جميع الأفراد وخصوصاً العلماء ومَنْ بيده الحقوق الشرعية لإنفاقها في مواردها، ومن أهم مواردها الفقراء والمحتاجون، كما لا بدّ من السعي لإفساح المجال لهؤلاء المتسولين ـ معاقين ومرضى أو أصحاء ـ للعمل وإبراز طاقاتهم وخبراتهم ومواهبهم في مجالات الحياة المختلفة كبديل نافع لهم وللمجتمع ، بعيداً عن التسوّل والذلّ والتخلّف) والاهم ان تنتبه الحكومة الى هذه الظاهرة والى الترسبات التي تتركها والتي تؤدي الى تفشي الجريمة وصولا الى الارهاب من خلال استغلال الصبية والاطفال.

 

مقالات ذات صله