اخــر الاخــبار

التدخين.. وباء يحاصر المراهقين ويفتك بالمجتمع

متابعة
جالساً القرفصاء يسند ظهره الى خزان الماء في سطح الدار، ينفثُ دخان سيجارته كمدخن عتيق، ويتلفت حذرا يمينا ويسارا، هكذا وصفت صديقتي ابن الجيران (سجاد) وهو طفل لم يتجاوز عمره سبع سنوات، تقول صديقتي: ان المضحك المبكي في الأمر ان سذاجته وبراءته جعلته يتخذ مكانا فوق السطح، متوقعا انه المخبأ الذي لن يراه فيه احد وهو يدخن، بينما كان يراه جيرانه وكل من يمر في الشارع.
هذا مشهد من مشاهد اخذت بالتزايد لتتحول مع مرور الوقت الى ظاهرة ربما البعض استساغ فكرتها وتقبلها على مضض، ولكن نحن والكثير ممن هم في تساؤلات دائمة لماذا وكيف وما هو الحل لظاهرة تدخين صغار السن، من هذه التساؤلات اِرتأت (شبكة النبأ المعلوماتية) أن تتوغل في هذه الظاهرة من حيث الأسباب والحلول، للتقليل منها أو منعها بعد أن أنهكت اجساد اولادنا وأهدرت اموالنا.
كيف تعلمت التدخين؟ كان هذا سؤالنا للصبي (حمزة البالغ من العمر 13 سنة) بعد ان ركبنا معه في (الستوتة) التي يعمل عليها في أحد الأسواق الشعبية، قال: وانا صغير كان اخي الاكبر يرسلني لسرقة السجائر من جيب والدي وكنت انظر له كيف يدخنها ويستمتع بها، مما أدى الى وفاته بسرطان الدم، وفي ليلة وفاته حزنت كثيرا وسرقت ما يقارب خمس سجائر من والدي ودخنتها كلها، ويومها تعبت وأحسست ان قلبي (عطَّب) وفمي تيبس وشيئا ما كتم انفاسي، لكن لم يهتم بي احد فالكل مشغول بوفاة اخي، ومن يومها وانا أدخن.
وأردف قائلا: التدخين وراثة وعادة تنتقل من الاباء الى الابناء فوالدي دخن السجائر وعمره خمسة وعشرون عاما وقتها كان الحذر والاحترام والخوف من الاهل كبيرا، وكذلك سابقا كان الشاب يخجل من جيرانه والمجتمع ان ينظروا له نظرة استخفاف واحتقار، هكذا قال لي والدي، واليوم اختلف كل شيء فانا دخنتها وعمري احد عشرة سنة وانا ومن هم في عمري نمسك السيجارة ونتمشى في الشارع متباهين بها لنعلم الجميع اننا اصبحنا (زلم) ولا يهمنا انتقاد الاخرين .
الدكتورة فاطمة بهجت اخصائية امراض الجهاز التنفسي قالت متنهدة: اكثر ما يحزنني حين يكون المريض شابا وقد اتلفت مادة الكربون المؤكسد والنيكوتين السام الموجودة في التبغ جهازه التنفسي، فمنهم قد تسبب له التدخين بسرطان الرئة او الحنجرة او بانتشار الفيروسات في جهازه التنفسي او اسهمت بضعف الرئة مما يؤدي الى عجزها عن القيام بوظائفها، ومع كل المخاطر الصحية التي تصاحب التدخين نرى تزايد الشباب المدمنين عليها، فهم يطبقون المثل الشعبي القائل (دخن عليها تنجلي) بحذافيره، اما عبارة التدخين مضر بالصحة الموجودة في الاماكن العامة وفوق علب التبغ باتت لا تشكل اي اهمية ولا تسبب اي دافع للخوف من التدخين.

وأضافت قائلة: في سنة 2006 أجرت وزارة الصحة احصائية لعدد المدخنين في العراق وتبين ان عددهم يبلغ نحو مليونين ونصف المليون مدخن، اما اليوم فقد تضاعف العدد ليصل نحو سبعة ملايين مدخن حسب التقرير السنوي الذي اعلنته منظمة الصحة العالمية بالاضافة الى ان ما يقارب المليار علبة سجائر تستهلك سنويا، وهذه الارقام كارثية ومحطمة للصحة والاقتصاد والبيئة وتحتاج لتكاتف جهود الجميع سواء كان الحكومة او المجتمع او الاهل للوقوف بوجه هذا السيل الهادم .

القانوني والناشط في حقوق الانسان مسار فالح قال: في سنة 2012 استبشرنا خيرا عندما شرع قانون مكافحة التدخين وصوت علية مجلس النواب، وتضمن القانون عقوبات بحق المخالفين وكان من بنوده ما يخص الشباب والاطفال، وقد جاء في هذا القانون:
1- يمنع الصغير والحدث من التدخين او ممارسة مهنة بيع وشراء التبغ ومشتقاته.
2- تضمين المناهج الدراسية والبرامج التعليمية والتربوية بمواد تبين مجمل الأضرار المترتبة على التدخين وخطورته على المدخنين وغير المدخنين.
3- اقامة البرامج التثقيفية وبرامج التوعية الدورية في المؤسسات التعليمية والتربوية ودور العبادة، والمؤسسات الصحية والثقافية وفي وسائل الإعلام المختلفة عن اضرار التدخين في اطار خطة وطنية سنوية.
4- طبع وتوزيع ملصقات منع التدخين والتحذير من أضراره في الاماكن العامة المحظور فيها التدخين، وعلى المحلات التي تمارس بيع السجائر او التبغ ووضع لوحات تتضمن التحذير الصحي في مكان بارز.
ويمنع صنع وتداول واستيراد شعارات منتجات التبغ ومشتقاته على منتجات اخرى كالقبعات والقمصان واكياس النايلون والمظلات والاشارات المرورية واللافتات الدعائية بمختلف انواعها، وهذه البنود لو تم تطبقها فعلا، لتراجعت هذه الظاهرة على نحو كبير، وتضاءلت نسبة المدخنين كثيرا، لكنها قوانين تشبه نظيراتها فهي تبقى حبر على ورق لتبين إهمال وضعف الدولة وعجزها عن تطبيق القوانين بمختلف أنواعها.

مقالات ذات صله