التباهي بالسيارات .. ظاهرة تطيح بارواح شبابنا

بغداد_ فاطمة عدنان
أصبح التباهي بنوع السيارة التي يقودها كل فرد عراقي حالة طبيعية حيث انتشرت ظاهرة الترف واستعراض للمال والثراء في الآونة الأخيرة ، فلا يوجد أي بيت الا ويوجد امامه سيارة او اثنتين على اقل تقدير، وغالبا ما تخصص سيارة لكل فرد من أفراد العائلة ما تترتب عليه زيادة كبيرة في اعداد السيارات، وهذا الأمر أصبح حقيقة لا يمكن نكرانها، لكن إذا بحثنا عن السبب الحقيقي وراء اقتناء السيارة قد لا يكون لحاجة ملحة… بل مجرد مسايرة مواكبة للآخرين وللتباهي و(الكشخة) ، واحيانا قد يضطر الشاب للاقتراض من اجل شراء سيارة جديدة وفارهة لكي لا يكون أقل شأنا من أصدقائه ، وقد لا يقتنع الشاب إلا بسيارة من الطراز الحديث وكاملة المواصفات وغالية الثمن حتى يكون محطا للأنظار.
فيرى أبو خالد ان ألوان التمايز الطبقي وأحوال النظرة الضيقة التي تسود الشارع العراقي اليوم أبعاد تلك الظاهرة غير جديد على الواقع العراقي، فيقول، أنها ذات صبغة جديدة وهي تضمر في داخلها نوازع التجني على المبادئ والقيم والمثل العليا ويصبح الرهان الحقيقي على الكماليات الشكلية والمردودات المالية!
ويضيف ، هذا بطبيعة الحال له أضرارا سلبية وانعكاسات اجرامية لا حدود لها، حيث يجيز المجتمع للفرد الثراء والكسب غير المشروع تحت وصاية التقييم غير الموضوعي.
ويكمل: وعندها يصبح قائد المركبة التي تحمل تسميات عراقية خالصة مثل الجمرة والهمر وأوباما والخفاش هو سيد الموقف، وحتى الوان السيارات واشكالها الداخلية والخارجية لها حصة لا باس من مسار وعناوين المفاضلة والتقدير بنزعته الجديدة.
اما ابو احمد فيقول، على هذا الاساس تتضح الصورة بان ليست هناك ثمة غرابة ان يقع الرهان على السيارة بأعتبرها عنوان أساسي لتقييم الناس وتصنف مقاماتهم ودرجاتهم الحياتية على مستوى المجتمع وتجملهم في أعين الناس ومن ينظرون اليهم.
ويتابع، هذا مما فعل من دورة الاستيراد وجعل الناس يتسابقون ويتنافسون من اجل اقتناء اغلى السيارات وافخرها واحدثها صنعا وماركة، وذلك كي يضمن لنفسه مستويات عليا من الاحترام والتقدير وان يصنف في عداد الاغنياء وليس الفقراء لان الفقر عار ومذمه في مثل هكذا مجتمعات.
اما علي عباس فتحدث قائلا، للاسف تقييم الناس على أساس ما يلبسون، وما يقتنون وما يمتلكون من أموال واشياء ثمينة، ومهمة سلوك بشري قديم. ولكن لو كنا أكثر دقة، فهذا السلوك يتمادى في المجتمعات المادية، وحين يقل الاهتمام بالمعنويات، وأغلب الظن أن المجتمعات تتحول الى مجتمعات مادية حين تمر بظروف اقتصادية قاسية ينتعش بعدها اقتصادها وينمو ثراؤها، حيث تصبح شرهة في حب المال والثروة والجاه.
ويتساءل علي عن سلامة ذلك السلوك، فالمادة شيء أو أشياء منفصلة عن الإنسان، والمعنى والقيمة تنمو بداخله، بمعنى أن السيارة الحديثة وربطة العنق المتناسقة مع البدلة الجديدة قشور تستر جسدا لا يختلف عن الأجساد الأخرى. لكن ما يستبطن الروح من قيم وما يعتمر في القلب من إنسانية، هو ما يميز الناس عن سواهم، وهذا هو المهم.
ويختم علي كلامه: ليس المهم كم نملك من المال، إذا كان هذا المال سببا للتعالي على الآخرين، بل أعتقد أن المهم كم نملك من القيم والإنسانية التي يمكن أن توازن في دواخلنا بين الروح والمادة.
أظن هناك من سيقول أن هذا تنظير لا اكثر، وأقول دعونا نلتفت حولنا لنرى كيف باتت المادة تعبث بأخلاقنا وبعلاقتنا ببعضنا حين اصبحت هي المقياس الذي نقيس على اساسه نقطة قربنا أو بعدنا من الآخرين.
ابو سعد من الاشخاص الذين لا يمتلكون من حطام الدنيا شيء حسب قوله، سوى راتبه التقاعدي الا انه اديب ومفكر وله نظريات ما انزل الله بها من سلطان بحكم تجرده عن روح المجاملة ووضع الشىء في موضعه وهو صاحب دعابة لاذعة فيقول، للسيارات مقامات وعناوين ومسميات واسماء وهي تختلف باختلاف الماركات والموديلات والمناشىء العالمية.
ويتابع قائلا: ولها خصوصيات خاصة تتغير بتغير قيمة ونوع ولون هذه السيارة او تلك وكل تلك المزايا لها انعكاسات مباشرة على صاحب السيارة وتعطيه حرية التبختر والتطاول والنظر الى الناس من فوقيه وتميزه عن من سواه تبعا للمنطوق الظاهري للتفاضل وربما يذكرني هذا الموقف بالبيت الشعري الذي ينسب للامام علي حينما يقول.
تغطي عيوب المرء كثرة ماله يصدق فيما قال وهو كذب… ويزري بعقل المرء قلة ماله يحمقه الاقوام وهو لبيب.
فيما يرفض حسن مصطفى جملة وتفصيلا مبدأ الشعور بالحساسية وان التباين سمة موجودة على الأرض منذ قيام الساعة ويعتبر وجود السيارات الحديثة والفارهة دليل عافية ورمز للنمو الاقتصادي.
ويضيف أيضا: فعندما يتابع الزائر للعراق وجود سيارات في الشارع قيمتها عشرات الآلاف من الدولارات لهو صمام أمان لوجود الأمن وتعافي القدرة الشرائية للمواطن العراقي الذي كان يتحسر والى وقت قريب على سيارة السوبر إنتاج 1982 الا ان هذا لا يعني قطعا بان المسالة ليست لها اثار سلبية وهي سلاح ذو حدين على ما اعتقد لاسيما وهي تحفز النفوس الضعيفة على السرقة واستغلال المنصب من اجل اقتناء مثل هذه السيارة كي يضمن توجده على لائحة المحسودين ومن ينظر اليه برقه وشفافية وان يكون سجله ناصع بنصاعة ووضوح لون سيارته التي تحمل شهادة 2017.
ولدى هاشم علي نظرة أخرى حيث يقول : السيارة مهمة جدا في هذه الأيام ولن يستطيع أحد الاستغناء عنها ، أحتاج لها للذهاب إلى الجامعة والخروج مع الأصدقاء ولقضاء بعض المشاوير وأيضا قضاء حاجات الأهل ، ولن نستطيع بالطبع الاعتماد على سيارات الأجرة ولا التنقل بالباصات ، في نفس الوقت يحق للشاب التباهي بسيارته، فلو كان يملك ثمنها فلماذا يحرم نفسه؟ اليوم أصبحت السيارة أكثر من وسيلة نقل فهي متعة ورفاهية للسائق والراكب من الداخل ومتعة للناظر من الخارج.
أما جابر واثق يؤكد أن السيارة من احد أفضل الأشياء التي يمكن يتباهى بها الفرد ، وفي هذا الزمن قيمة الرجل من قيمة سيارته ، لذلك تحملت في يوم من الأيام تكاليف تأجير سيارة وصلت إلى 700 الف دينارا يوميا، وهذا فقط من أجل الكشخة والمظهر ولا مشكلة عندي في ذلك .
اما محمد باقر قال من ناحيته : هدفي الأساسي من اقتناء السيارة هو الحصول على وسيلة مواصلات، إنه الهدف الأساسي الذي صنعت السيارة من أجله، أستغرب من بعض الشباب الذين قد يبتاعون سيارة لا يستطيعون تحمل تكاليفها ما يضطرهم للتأجير أو الشراء بالأقساط ، لماذا «أكسر ظهري» بالأقساط و«علمود منو أكشخ»، المهم إني أصل للمكان الذي أريد حتى لو كان ذلك بباص المواصلات وما المانع ما دمت سأصل ؟!
وأخيرا يضيف بشار أحمد , إن الهدف الأساسي من وراء شراء السيارة هو الحصول على وسيلة نقل لكن الشباب هنا في العراق لا يعتبرونها كذلك، هناك مسابقات تنظم ويتم التباهي بالمراكز التي تحصل عليها السيارات، ولا يشترط أن تكون جديدة أو على الطراز الحديث حتى تدخل السيارة في مثل تلك المسابقات، فهناك بعض الشباب يفضلون السيارات الكلاسيكية ويقيمون المسابقات لها ويكون ترتيب المراكز وفقا لنظافة السيارة ومحافظة صاحبها عليها ويتم الكشف على السيارات ولا يتم الحكم على المظهر الخارجي فقط، وهذا يؤكد أن دور السيارة لا يقتصر على التوصيل … بل يتعدى ذلك بكثير. إن الشباب هنا يهتمون بها كتحف فنية.

مقالات ذات صله