الأسواق الشعبية … رغم حاجتها للتطوير مازالت تؤرق المولات

بغداد _ فاطمة عدنان

تبقى الشورجة و سوق دانيل وسوق بغداد الجديد وغيرهم الكثير من الأسواق الشعبية التي لازلت تفرض وجودها رغم تنوع و زيادة عدد المولات في العراق ، حيث تُعد البضائع الشعبية والتراثية ذات طابع خاص؛ ويستخدمها الكثير في تبادل الهدايا سواء من ملابس أو عطور خاص مع قرب العيد.

ويرى متسوقون أن الأسواق الشعبية مازالت تحتفظ بجاذبية كبيرة، ويجدون بين أزقتها عبق التاريخ وطبيعة الحاضر، والذي يوفر لهم كل ما يريدونه من بضائع تنافس بأسعارها المراكز التجارية الضخمة، موضحين أنها تناسب المستويات الاجتماعية كافة، مشيرين إلى أن الأسواق الشعبية تشهد ازدحاماً شديداً وإقبالاً من المواطنين أو المقيمين ممن يحرصون على مشاهدة الوجه الآخر للمُدن في السابق.

وتلعب الأسواق الشعبية دوراً مهماً في حركة التنشيط الاقتصادي من خلال تنشيط تجارة التجزئة ، حيث تعرض تشكيلة واسعة من البضائع المحلية والخارجية، ولا يمكن اختصارها في النشاط التجاري بل ترتبط بالقيم والمبادئ التي توارثها الأبناء عن الآباء، إضافةً إلى أنها أوجدت بدائل وخيارات في الأسعار، حيث أن فرق السعر من بين أكثر الأشياء التي تجذب المواطنين إليها، إلاّ أنه لابد من العناية بها وتطويرها؛ لجعلها أسواقاً تراثية نموذجية تعج بالحياة، وهو ما يكفل دعم السياحة واجتذاب مزيد من الزوار.

وقالت “أم محمد” -بائعة خضرةفي احدى الأسواق الشعبية -: إن الأسواق أصبحت الآن تجتذب أكثر المتسوقين ومن مختلف الفئات، ويعود ذلك إلى رغبة المتسوقين في اقتناء البضائع التي تتسم بالأصالة والجودة العالية مقابل سعر في متناول الجميع خاصة بلنسبة للخضراوت والفاكهة كونها تأتي طازجة كل يوم. بينما تأسفت “سعدية ”  -أن تكون الأسواق الشعبية قليلة ومحدودة، مُشددةً على أهمية إعادة النظر في تنظيم الأسواق الشعبية الحالية وزيادة مساحاتها ومضاعفة مواقف السيارات داخلها كونها تعاني من عدم التنظيم لذلك تطالب الأمانة ان تقوم بترتب هذه الأسواق وجعلها اكثر اتساعاً , مع توفير الامن والحماية وتأمين المناطق الأساسية لهذه الأسواق .

وأوضحت “ام عباس” أنها تبيع منتجاتها الحرفية وأشغالها اليدوية التي يكثر الطلب عليها من المشترين، حيث يجدون في مشغولاتها ضالتهم، مضيفةً أنها تنتقل بين الأسواق الشعبية لعرض بضاعتها، متمنيةً توفير الكثير من الأسواق الشعبية؛ لأن عشاق تلك الأسواق في ازدياد واضح.

وأكدت “آلاء حسن” -متسوقة- على أن الأسواق الشعبية هي الأكثر إقبالاً واجتذاباً للمتسوقين لما تحتويه من بضائع منوعة تناسب مختلف الأذواق، وتتوافق مع دخل الجميع، مضيفةً أن تلك البضائع نادرة وغير متواجدة في الأسواق بكثرة؛ لما تحويه من معروضات الماضي العريق.

وأشارت “أسماء خالد” -متسوقة- إلى أنها تحرص على شراء ما تُريد من الأسواق الشعبية؛ لأنها تبيع السلعة بسعر رخيص ومتواضع، مقارنةً بما في الأسواق الكبيرة، مضيفةً أن أسعار السوق الشعبي تتناسب مع أصحاب الدخل المحدود، مبينةً أن البائع العراقي يرضيه الربح البسيط، كما أن لديه الاستعداد للبيع بسعر أقل أو “السلف” أحياناً، فقط لأجل كسب الزبون أو إرضائه، حتى وإن لم يعرفه، أو أنه زبون عابر، وليس بصفته زبوناً يكسب منه، بل لأنه إنسان يتعامل معه، ذاكرةً أن الباعة في المراكز التجارية السعر لديهم ثابت، ولا يحق لك “المفاصلة” في السعر، لافتةً إلى أن واقع الحياة المعيشية الصعبة يتطلب المزيد من نوعية تلك الأسواق.

وذكرت “هدى مجيد” أن السوق الشعبي يوفر جميع طلباتها من أدوات منزلية وملابس وسجاد وقماش وتحف وهدايا، وهو ما يشجعها للقدوم والتسوق، أيضاً هناك وفرة للأسعار التي لا تجدها في مكان آخر، مضيفةً أن الأسواق الشعبية الحالية قليلة بنسبة الى عدد المولات الموجود في بغداد ، والحل في إقامة المزيد من الأسواق الشعبية ؛ لاستيعاب زبائن السوق الشعبي.

وأوضحت “سهى جابر” أنها من المطالبين بوجود الكثير من الأسواق الشعبية ولكن بشروط معينة أهمها؛ نظافة تلك الأسواق واحترام متسوقيها، فالأسواق الحالية تتميز بكثرة باعتها وبمختلف بضائعها وعدم نظافة الأماكن التي يبيعون فيها، مبينةً أنها عندما تريد الشراء تكون مضطرّة أن تسير وسط تلك الأماكن التي تفتقد إلى أبسط مقومات النظافة والعناية بالبضائع، مؤكدةً على انتشار الروائح الكريهة المختلفة وتكاثر الحشرات بإعداد هائلة في بعض الأسواق، مما ينذر بحدوث آثار سلبية على الصحة؛ نتيجة عدم النظافة وتكدس النفايات هنا وهناك في منظر خال من كل ذوق وعناية واهتمام.

اما اهم مايتوفر في الأسواق الشعبية ملابس البالة سوق التي تعد فئات الشعب حيث يؤكد محمد البياتي بائع ملابس بالة في سوق بغداد الجديدة: اخترت هذه المهنة في سنوات الحصار لأوفر حاجات أسرتي، والحقيقة أنها كانت خير عون لي في فترة الحصار، وبعد عام 2003 استمرت بنفس عملي، اليوم هناك فئة واسعة تتسوق ملابس البالة لرخص ثمنها وجمال موديلاتها، فموديلات البالة لا تجدها حتى في أرقى المحلات، لان بعضها يأتي من أوربا، والتجار اغلب بضاعتهم من الصين أو عبر دبي، لذا يمثل ملابس البالة استثناء كبير، لا يوصله للزبون الا نحن بائعي البالة.

أما المواطن ثامر الشمري صاحب بسيطة لبيع البالة فيضيف: سوقنا تدخله اغلب فئات المجتمع، فقط الطبقة البرجوازية التي نمت مع الحاكم الأمريكي بريمر لا تدخله، هذه الطبقة التي تترفع وتتعالى على المجتمع! وهنا اعتب على بعض الناس والإعلاميين الذين يحاولون منع الناس من تسوق ملابس البالة، باعتبار أنها تجلب الإمراض الجلدية، وهذا غير صحيح فنحن نقوم بغسل الملابس قبل بيعها، ونعطي إرشادات للمشتري بأهمية الغسل قبل اللبس، للخلاص من إي وساوس، وهنا نؤشر حقيقة أن سوق البالة ليس فقط للفقراء، بل حتى الباحثين عن الماركات العالمية المشهورة، فالسوق العراقية غارق بالبضاعة الصينية، فالكثير من طلاب الكليات يتسوقون منا تحت عنوان البحث عن ماركة عالمية.

في حين يرى مرتضى احمد : بضاعة “البالة” هي أفضل من الجديد الصيني، وهي ماركات عالمية معروفة، والناس البسطاء يرغبوها لرخص ثمنها، وطلاب الجامعات بسبب بحثهم عن الماركات العالمية، فهم متسوقين جيدين للبالة، ونحن نستورد بضاعة دول شرق أسيا من الإمارات، وبضائع أوربا تأتي عن طريق تركيا، وأنا متخصص في الملابس، حيث تأتي بماركات عالمية معروفة، وهي مرغوبة ليس فقط من الفقراء أو محدودي الدخل، بل حتى من ميسوري الحال، لأننا في العراق أكثر استيرادنا للملابس صينية، فالمنشئ الأوربي نادر، إما ابرز الحالات التي تصادفنا فمرات قليلة نجد نقود فئات قليلة في جيوب الملابس، والحقيقة أفضل البالات هي الخليجية، خصوصا الملابس النسائية، حيث البدلات الراقية ومن أهم المناشئ العالمية ونبيعها بسعر كبير.

وعن محاولة معرفة سبب الشراء فوجدت أبو جبار الدلفي وهو يقلب ملابس البالة بحثا عن شيء يعجبه ليشتريه فقال : أنا كلما جئت الى مدينة الكاظمية اذهب لسوق البالة، فأجد شيء مهم وأنا تعجبني البالة، لأنها لا يوجد لها مثيل في البضائع الجديدة، بالإضافة لأسعارها المناسبة، فقط الحذر يأتي من كونها ملوثة بإمراض معدية، والحقيقة أن الكثير من البائعين يقومون بغسل البضائع وأنا انصح بالغسل قبل لبس البالة.

ووجدت احد الباعة تزدحم بسطيته بالناس وهو يصيح بأعلى صوته (القطعتين بألف) حيث يبيع ملابس أطفال واغلب المتجمهرين حول بضاعته من النساء فسئلت الحاجة أم رفل، وهي قد اشترت أربع قطع منه لماذا؟ فقالت : هذه الملابس راقية جدا بتفاصيلها، ونوعية القماش، والعلامات التي عليها، وهي تباع بمبالغ خيالية في المحلات، لكن هنا تباع بثمن قليل استطيع شرائها، وأنا تعودت منذ التسعينات الشراء من البالة، فنجد فيها ما لا نجده في المحلات، بالإضافة الى رخص ثمنها.

اما نائل عامر يتسوق من سوق البالة يقول : البعض يتصور أن البالة فقط ملابس، لكنها تخص الحاسبات والأجهزة الالكترونية والكهربائيات حتى قطع غيار السيارات، وأتذكر جيدا كيف أن سوق تلفزيونات البالة كان رائجا في بداية الألفية الثالثة، بسبب ارتفاع أسعار الأجهزة الجديدة، وكانت بماركات عالمية معروفة مثل فليبس وتوشيبا وايوا، وكانت الناس تلجا للبالة لمواكبة تكنولوجيا العصر، بما هو مسموح وممكن، واستمرت الحالة حتى عام 2004، بعدها توفرت الأجهزة الحديثة بأسعار مناسبة، مما تسبب بموت سوق تلفزيونات البالة، وأضيف لو أن البضائع الجديدة معمرة وذات متانة لما لجأ الناس للبالة.

لكن المواطنة سعاد احمد (موظفة حكومية) كانت قصتها مؤلمة وخطيرة فقالت: لقد سببت لي ملابس البالة أيام سوداء لا يمكن أن تغادر ذاكرتي، فقد اشتريت في احد الأيام بدلة لابنتي الصغيرة وهي بعمر ثلاث سنوات، فقد جذبني تفاصيله والماركة، لكن ما أن لبسته حتى ظهرت قروح في جسدها، وبقيت أعالجها عند طبيب مختص بالإمراض الجليدية، الى أكثر من ثلاث أشهر، وبعدها عاهدت نفسي أن لا اقرب سوق البالة.

مقالات ذات صله