ادباء السبعينيات في العراق … كتاب وشعراء صهرتهم الحروب لرسم إيقاع الحياة على هيئة لوحة شعرية او روائية 

بغداد_ متابعة

يعتبر جيل السبعينيات جيل ذهبي معاصر كونه عاصر أحداث تاريخية هامة كانت تهز كيانه، وتؤثر على وطنه.. خاصة في العراق حيث عانى جيل السبعينيات من التحولات عديدة ، والتي جاء انعكاسها على إنتاجه الأدبي سواء شعراً أو نثراً.

في رأي الكاتب “عبد الزهرة الركابي”، عبر مقالة صحفية له، أنه “لم يكن الجيل الشعري السبعيني في العراق جيلاً خارج سرب زمنه.. بل هو الجيل الذي تحمل وطأة تداعيات هذا الزمن بإفرازاته السياسية، ولا سيما في حقبة النظام السابق الذي جعل المبدعين بشتى الصنوف عرضة للموت أو الاختفاء أو التشرد والنفي لمن يتجرأ في الخروج عنه”.

مضيفاً: أن” الجيل الشعري العراقي في عقد السبعينيات ضم شعراء مبدعين كانوا يميلون إلى البوح الرمزي حتى يكون بمقدورهم الإفلات من شرنقة الرقابة، وقد كان الواقع يمثل جانب (التعايش) الذي ألفه شعراء العقد السبعيني، لكن الجانب الآخر كان يمثل ساحة البروز والتمايز لدى الشعراء البارزين أمثال “زاهر الجيزاني” و”خزعل الماجدي” و”كزار حنتوش” و”عبد زهرة زكي” و”رعد عبد القادر” و”صاحب الشاهر” وغيرهم، وهذا البروز كان مرهوناً بعامل سياسي، من منطلق أن جيل السبعينيات في العراق كان جيل الحزبيات (تحالفات ـ تناحرات) حيث كان الشعر والشعراء يصنفون تبعاً لارتباطهم بتلك الأجواء”.

ويتناول الشاعر “زاهر الجيزاني” قائلاً: “لذلك، سوف نخرج عن القاعدة (جيل الحزبيات) التي دمغت شعراء ذلك الجيل من خلال تناول الشاعر “زاهر الجيزاني” الذي لم يكن مرتبطاً حزبياً ولكونه من الشعراء البارزين، إن لم نقل من شعراء الصف الأول في ذلك الجيل، وعلى اعتبار أن الجيزاني كان مولعاً بالميتافيزيقيا، تلك السجالات المدرسية القديمة حول (الكينونة والوجود) ومصائر البشر، يضاف إلى ذلك الوقائع التأريخية ثم التعبيرية (الشخصانية)، وكل هذه السجالات كانت تشكل عالمه الخاص من خلال مرآة مملوءة بالندوب والشروح، والمغطاة بغبار الانكسارات اليومية، لا شك أن الشاعر “زاهر الجيزاني” يمثل نموذجاً بارعاً في الجيل السبعيني من ناحية التعبير عن التمرد على السلطة بتعابير ورموز لا تثير انتباهها من جهة، ومن جهة أخرى كان يؤسس لحداثة شعرية ليس بوصفها مكوناً عضوياً لحياة تتطور، وإنما كانت الحداثة بالنسبة له (قناعاً سحرياً)، يتحدث من خلاله عن مطالب واستحقاقات واحتجاجات وتمردات في أشكال تعبيرية، سماها أشكال (الظل والضوء)، أي غامضة وواضحة، تظهر وتختفي”.

ويرصد الكاتب “قيس كاظم الجنابي”،  نوعية الكتابة لدى هذا الجيل، فيقول: “كان الطابع السريع لحركة الحرب، وإيقاع الحياة معها، والتحديات والمخاوف وحروب المدن وتنقلات القطاعات العسكرية وإخفاقات الحرب وانتصاراتها الوهمية، وراء استسهال الكتابة، حيث شاعت سيكولوجية الركض السريع، الكتابة اليومية أو الأسبوعية والتعامل مع النص بوصفه مشروعاً يومياً، آنياً، لحظة تدوين، هاجس خاص مضطرب، فظهرت صيحات جديدة في الكتابة الأدبية نشأت على أكتاف السبعينيات والأجيال التالية لهم، إذ برزت بعد قصيدة النثر على الساحة الثقافية ظاهرة (النص الأدبي) النص المفتوح المنفلت من الضوابط والقوانين، باستثناء سلامة التعبير اللغوي، وهو مفهوم عائم واضح إنه نص خارج التجنيس، وقد لفت انتباه العديدين من حيث الميل نحو التحديث، والخروج عن أنظمة الكتابة التجنيسية كالقصة، والمقالة والمسرحية، والقصيدة، كذلك كان يفعل “عدنان الصائغ” الذي جمع منه كتاباً سماه (مرايا لشعرها الطويل) أصدره عام 1992، كتب له (مفتتح) الشاعر “عبد الوهاب البياتي” الذي يعده الصائغ قدوته وأستاذه، “عدنان الصائغ” اختار في هذه المجموعة خمسين قصيدة وكتب تحتها (نصوص نثرية)، إنها قصائد عامرة بالصورة والانفعالات وتلك الانثيالات الرومانسية التي يمر بها الشاعر”.

عن قصيدة النثر يقول “الجنابي”: “وكان أدباء السبعينيات يرنون إلى هذا الوليد الجديد (قصيدة النثر) بحنان واضح، واشتياق خفي، وارتياح ملحوظ، وخاصة وأنهم في بداية طريق جديد، فبرز صوت هنا وآخر هناك لكنهم سرعان ما ذابوا في أعمال الصحافة وجوانب الأدب وتخلو عن طموحهم في التواصل مع قصيدة النثر منهم: “عبد الأمير البناء، رياض قاسم”، ثم أخذ شعراء السبعينيات ينشرون نصوصهم هنا وهناك، أو يدفعون بعضها ضمن مجموعاتهم الشعرية بوصفها قصائد شعرية أو هكذا دون إشارة من قريب أو بعيد إلى حقيقتها لغرض أن يدرسها النقاد، وقد رأيت أن هذه الخطوة ستدفع بقصيدة النثر إلى الخطوط المتقدمة في الأدب، لأنها ستظل تعبيراً عن انفلات الشاعر في لحظة تجرده عن ضوابط الشعر”.

يسجل “الجنابي”: “لقد عاض أدباء جيل السبعينيات في منخفض الحيرة بين إكمال منجزهم الإبداعي وبين الانضواء تحت لواء جيل الستينيات، فظل يعاني حياة التشرذم، ولم يستطيع أن يؤسس له قاعدة متينة وراسخة في عالم الأدب، لذا بقي جسداً هشاً عاد بعض شعرائه إلى القصيدة العمودية انسجاماً مع المتطلبات الحماسية للحرب وظروفها، وهاجر آخرون وفقدت الساحة العراقية أسماء مهمة بسبب الكتابة عن الحرب، عدا عن أسماء مهمة في القصة من أمثال “عادل كامل، محمد سعدون السباهي، فيصل عبد الحسن، سامي المطيري، شوقي كريم، حميد المختار”، وبعض الأدباء اختار بدائل عن الأوضاع السائدة كالدراسة أو الهجرة أو الترجمة كما فعل “رعد عبد القادر، عبد الله إبراهيم، كاظم جهاد” وغيرهم”.

 

ويضيف: “أما على صعيد الشعر فقد بقي السبعينيون يؤثثون بيتهم الإبداعي، وكانت نصوصهم تحاول النفاذ إلى أرض الواقع، واختراق المشروع الستيني المسيطر، وهذا يتضح في تجارب “خزعل الماجدي، رعد عبد القادر، كمال سبتي، هادي ياسين، زاهر الجيزاني، أديب كمال الدين”.. وغيرهم”.

فيما يصف الكاتب “إحسان محمد علي”، جيل السبعينيات: “إنه جيل النكبات، وضيق الحريات، وملاحقة الأقلام الشريفة التي استطاعت أن تكشف عبر أداوتها الفنية عالية التقنية وارتباطها بهموم وطنها معايير المواطنة، أمثال “هاشم شفيق، زاهر الجيزاني، خزعل الماجدي، يحيى السماوي، نبيل ياسين، ليث الصندوق، خليل المعاضيدي، كمال السبتي، أديب كمال الدين”، والجيل الذي تلاه والذي قدم أجود ما تكون القصيدة، ببنائها الصوري، والموسيقي، والجمالي واختيار اللغة بتراكيبها المنسجمة مع الواقع، وما تركه من آثار شاخصة في مضمار الإبداع، الذي استمد كينونته عبر الأجيال، والتي أفرزت شعراء لامعين أخذوا بتلابيب القصيدة إلى شواطئ لم تكن مأهولة من قبل، فسطروا أروع ما يكون البيان لفظاً وصوراً مبتعدين عن الابتسار والسرد النثري، الذي طفا في الآونة الأخيرة على معظم المجاميع الشعرية الصادرة حديثاً، وأذكر على سبيل المثال المبدعين (عدنان الصائغ، عبد المنعم حمندي، هاتف الجنابي، قيس مجيد المولى، رزاق إبراهيم حسن، ريم قيس كبه، كزار حنتوش، جواد الحطاب”.

مضيفاً: “هذه الأجيال المتعاقبة أنتجت جيلاً صقلته الظروف الأخيرة في بوتقة إبداع أكبر تجلى ضمن أطر جمالية ومضامين (ديناميكية) تواكب المرحلة بكل إسقاطاتها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، فأينعت قصائد ليتبوأوا المقاعد الأولى في قاعة التفرد والتجديد في عمارة الكلمة وبنائها، في الموسيقى الداخلية الضمنية التي تعزف لحنها في مفردات أبدعها، وأذكر كل من الشعراء (جبار الكواز، علي الفواز، عمر السراي، مروان عادل، سلام دواي)، الذين استمدوا خطواتهم الواثقة وبسطوها على خريطة الشعر العراقي المعاصر”.

مقالات ذات صله