“أنصار الإسلام” في مصر… تنظيم جديد أم مناورة؟

وكالات ـ متابعة

دخلت قضية العملية الإرهابية التي وقعت في منطقة الواحات البحرية، جنوبي غرب محافظة الجيزة في مصر، في 20 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، منعطفاً جديداً، بعد ظهور بيان يحمل توقيع جماعة جديدة غير معروفة من قبل تدعى”أنصار الإسلام”، أعلنت فيه مسؤوليتها عن العملية، مطلقةً عليها اسم “معركة عرين الأسود”.

لكن هذا البيان لم يوضح طريقة تحرير نقيب الشرطة محمد الحايس الذي أعلن الجيش والشرطة في مصر نجاحهما في تحريره بالتزامن مع بدء عملية عسكرية واسعة للجيش بواسطة الطيران ومجموعات الصاعقة لتطهير الظهير الصحراوي لمحافظتي الجيزة ومطروح والطرق المؤدية إلى ليبيا، من الخلايا الإرهابية.

إلا أن الأمر الأكثر لفتاً للأنظار في البيان هو إعلانه مقتل ضابط الجيش المصري السابق عماد عبد الحميد، المعروف بانتمائه إلى فكر تنظيم “القاعدة”، وأنه أحد المساعدين المقربين لضابط الجيش السابق وقائد تنظيم “المرابطين” الحالي في ليبيا هشام عشماوي. وذكر البيان أن “الله منّ على القائد البطل أبي حاتم عماد الدين عبد الحميد وبعض من مجموعته الأبطال بالشهادة التي سعوا إليها كما نحسبهم والله حسيبهم”، ما يشير إلى أن عبد الحميد لم يكن القائد العام لهذه الجماعة، بل أحد قادتها.

ولم تكن وزارة الداخلية المصرية أو الجيش قد أعلنا عن مقتل عبد الحميد، الذي يكنّى بأسماء أخرى كثيرة، وصدر ضده حكم غيابي بالإعدام في قضية اقتحام كمين الفرافرة في الوادي الجديد في يوليو/ تموز 2014، حيث كان المتهم الرابع في تلك القضية، فضلاً عن استمرار محاكمته غيابياً في القضية الأولى لتنظيم “أنصار بيت المقدس” باعتباره المتهم العاشر فيها.

واقترن اسم عبد الحميد دائماً باسم عشماوي، وأفادت معلومات للأجهزة الأمنية المصرية بانفصاله مع الأخير عن تنظيم “أنصار بيت المقدس” بعد مبايعة عشماوي لتنظيم “داعش” وتغيير اسمه إلى “ولاية سيناء”.

وجاء إعلان مقتل عبد الحميد في البيان المنسوب للجماعة الجديدة، بعد أقل من 24 ساعة على انتشار صور مختلفة لجثث على بعض حسابات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المقربة من الأجهزة الأمنية. وقالت هذه الحسابات إن بين الجثث جثة تعود لعبد الحميد، من دون أن تعلن أية جهة مصرية رسمية ذلك. إلّا أن مصدراً قضائياً في النيابة العامة أعلن عن توجيهات صدرت لمصلحة الأدلة الجنائية ومصلحة الطب الشرعي بسرعة إجراء الفحوص لمطابقة البصمة البيولوجية للجثث مع أسر الإرهابيين المطلوبين، وعلى رأسهم عبد الحميد وعشماوي أيضاً.

ولم تضف الجماعة الجديدة المزعومة أية تفاصيل عن العملية الإرهابية أو توابعها غير ما ذكرته وزارة الداخلية من قبل في بياناتها. كما لم يذكر البيان صراحة تبعية الجماعة الفكرية لتنظيمي “القاعدة” أو “داعش”. إلّا أن المراقبين يؤكدون أن صياغة البيان واعتماده عبارات ذات صبغة سياسية مضادة للنظام الحاكم ومغازلته للمواطنين بتكرار استخدام عبارة “أيها الشعب المصري المسلم الحبيب” هي مؤشرات إلى تبعية الجماعة المزعومة لتنظيم “القاعدة”.

ويتطابق تحليل الخطاب على هذا النحو مع فكرة الاعتراف بأن عماد عبد الحميد كان من بين قادة هذه الجماعة. فهو معروف عنه معارضته لأفكار “داعش”. لكن نظرية التبعية لـ”القاعدة” تتناقض مع بعض الشهادات التي تردد أن المجندين الذين نجوا من عملية الواحات أدلوا بها في جلسات السماع المبدئية أمام جهاز الأمن الوطني والنيابة العامة.

وقال بعض المجندين إنهم رأوا بين المعتدين عليهم ضابط الشرطة السابق حنفي جمال الذي كان من عناصر فرق التدخل السريع، وشارك في فض اعتصام رابعة العدوية في أغسطس/ آب 2013. لكنه تحوّل بعدها إلى تكفيري وانضم إلى تنظيم “ولاية سيناء” ضمن خلية تضم 3 ضباط شرطة آخرين، اتهموا لاحقاً بالتخطيط لمحاولة اغتيال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وارتكاب عمليات إرهابية أخرى.

وبينما يشكك بعض المراقبين في صحة البيان نظراً للمفارقات السابق ذكرها ولعدم إعلانه تفاصيل مغايرة عن بيانات الشرطة، يرى آخرون أنه بيان سليم يعلن عن ميلاد تنظيم إرهابي جديد، وهو الاحتمال الذي كان قد رجحه مصدر أمني مصري في تصريحات سابقة لـ”العربي الجديد” بأن تكون عملية الواحات هي “باكورة أعمال” تنظيم جديد كونته “ولاية سيناء الداعشية” أو “المرابطون القاعديون” لتخفيف الضغط على أي منهما في المناطق الأساسية لممارسة نشاطاتهما، وهي شمال سيناء ودرنة الليبية على الترتيب.

وهناك احتمالات أخرى لطبيعة هذا التنظيم الجديد، وهي أنه يضمّ عدداً من العناصر التي انشقت عن “المرابطين وولاية سيناء” لأسباب مختلفة، أو أن هناك مجموعة جديدة من التكفيريين غير المنتمين لتنظيم بعينه ينفّذون العمليات ضد كمائن الجيش والشرطة لحساب تنظيمات عدة وليس تنظيماً واحداً. وعلى الرغم من أن هذا الأمر ليس شائعاً في ممارسات تلك الجماعات، خاصة في مصر، إلا أنّ هناك أدلة مادية عدة تجعله احتمالاً وارداً، ولا سيما أن هناك تطابقاً بين أنواع الأسلحة المستخدمة في حادث استهداف كمين الفرافرة، وحادث استهداف كمين النقب، وحادث الواحات الأخير، بل إن التحقيقات أكدت استخدام قطع السلاح نفسها في الحادثين الأولين.

ولن يحسم هذا الارتباك المعلوماتي إلا تأكيد مقتل عبد الحميد من قبل الحكومة المصرية، ثمّ كشف اللثام عن طبيعة العلاقة الحالية بينه وبين هشام عشماوي، أي ما إذا كان مساعداً له أو وكيلاً لأنشطته في الصحراء الغربية المصرية، أم أنه انشق عنه وعاد إلى مصر وبقي معتنقاً للأفكار القاعدية نفسها ولم ينضم إلى “داعش”.

وسبق أن ذكر مصدر أمني أن الإرهابيين في عملية الواحات استخدموا أسلحة مماثلة للتي استخدمتها خلية “جنود الخلافة” التابعة لـ”داعش” في يناير/ كانون الثاني الماضي في كمين النقب. وتضمنت هذا الأسلحة قذائف “آر بي جي” ورشاشات “بي كيه” و”جرينوف” سوفييتية الصنع، تم تثبيتها على ظهر سيارات نصف نقل شبيهة بتلك التي استهدفها الجيش المصري في حملاته الجوية في الأيام الماضية. وأكدت شهادات بعض الأهالي في مناطق مختلفة في الواحات البحرية ومحافظة الفيوم تحرّك مثل هذه السيارات على أبعاد تراوح بين 50 و20 كيلومتراً من منطقة الاشتباك قبل العملية بأيام عدة.

مقالات ذات صله