أنا أعترض.. شخصية “استفزازية” تنفر المحيطين

 

بغداد_ متابعة

حالة من الاستياء وعدم الرضا تسيطر على عائلة الجامعي خالد الحديدي، الذي “يستفز” هو وإخوته من “الاعتراض” الدائم من قبل أخيه الكبير الذي يخالف في كل مرة ما تتفق عليه العائلة وإن كان أمرا بسيطا.

يقول خالد “أشعر أنه يتلذذ عندما يقول لا”، مستهجنا حب الاعتراض الذي يسيطر عليه، وفي كثير من الأحيان يكون متأكدا في قرارة نفسه أنه مخطئ ولكنه لا يعترف ويعترض بحكم العادة.

الحال بات أكثر صعوبة مع ا محمد خليل، “30” سنه ، الذي يتفق وثمانية من زملائه على كثير من الأمور التي تتعلق بالعمل، وتجمعهم العديد من الأمور المتشابهة وبعض النشاطات الاجتماعية التي يقومون بها معا.

“ما ينغص علينا في كل مرة هو اعتراض أحد زملائنا على كل شيء نقوم به”، هكذا يقول محمد، الذي يبين أن زميلهم دائما “خالف تعرف”، وإذا ما اتفقوا على مكان معين يذهبون اليه حتى يبدأ بالاعتراض ووصف آرائهم بأنها غير صائبة وأنه “أكثر تقديرا للأمور منا وكأننا لا نعلم شيئا وأنه الشخص الوحيد الذي يرى الأمور بالعين الصائبة”.

الشخصية المعارضة، وفق اختصاصي علم الاجتماع الدكتور موسى مطر، تتمحور بطبيعتها حول رأيها فقط، حتى وإن كانت على يقين بأنها مخطئة، مشيرا إلى أنها نتيجة لإسقاطات نفسية وتربوية في شخصية الفرد تترجم من خلال الاعتراض.

وتحاول هذه الشخصية، بحسب مطر، أن تلفت الانتباه لنفسها من خلال الاعتراض، وهي متذمرة بطبيعة الحال وتجد رأيها دائما صائبا، وهي تقريبا شبه متشددة، لافتا إلى أن مثل هذه الشخصيات عاشت في بيئة مليئة بالضغوطات النفسية.

ويضيف أن الفرد يشعر بداخله بنوع من الدونية والنقص الذي يسقطه على الآخرين من خلال ظهوره بمظهر المعترض. وهو ما يؤكده اختصاصي الطب النفسي الدكتور بهاء طالب، الذي يبرر ميل هذه الشخصية إلى حب الظهور ولفت الانتباه من خلال عمل ما يعاكس الآخرين لشعوره بأنه أضعف من الجميع وأنه بمخالفته لآراء من حوله يصبح مصدر قوة.

ويبدو ذلك جليا في علاقة الموظفة خولة عطية مع أخواتها اللواتي يتفقن في معظم أمور حياتهن، حتى أنهن أصبحن يتخذن القرار عن بعضهن في كثير من الأمور التي تتعلق بهن، خصوصا وأنهن يتشابهن بأذواقهن وتفكيرهن كثيرا.

“في كل مرة نواجه المشكلة ذاتها في اعتراض أختي الكبرى على كل ما نتفق عليه”، مبينة قلقهن واستياءهن في كل مرة ينوين فيها القيام بأمر ما، خشية اعتراضها أو رفضها للرأي الذي تم اتخاذه من قبل جميع الأخوات.

تقول “أصبحنا نفكر في رفضها وتبريرها لعدم اتفاقها معنا قبل أن نطرح عليها رأينا”، مبينة أنهن أصبحن على موعد دائم مع اعتراضها، حتى أنهن يصفنها فيما بينهن بـ”أنا أعترض”.

ويشير طالب إلى أن هذه الشخصية تؤثر كثيرا على من حولها، حيث تخلق نوعا من التوتر والضيق للمحيطين، فينفر من حولها من الناس ويتجنبون التعامل معها، خصوصا عندما يصلون إلى مرحلة بأن هذا الشخص لا فائدة من الحديث معه.

ويصف مطر هذه الشخصية من منظور علم الاجتماع، بأنها تميل إلى الانفرادية الشخصية غير المقبولة اجتماعيا، وهي غير قادرة على التواصل وتحتاج إلى معاملة خاصة حتى يتمكن الشخص من اختراقها.

أما السيدة هناء التميمي، فمعاناتها أكبر مع زوجها الذي يمتهن الاعتراض امتهانا، فما إن تقترح أمرا عليه سواء كان يتعلق بها أو بأحد أطفالها حتى يقول “لا، المفروض يكون هيك”.

“التعامل معه صعب جدا، حتى أنني أصبحت أتوقع جوابه قبل أن أقترح عليه”، واصفة عدم المنطقية في تعامله مع القرارات التي تتعلق بالبيت وبحياتهم العائلية، رافضا إعطاء أي مساحة للحوار والنقاش.

أما إسقاطات هذه الشخصية على الجانب الأسري، فيجد اختصاصي علم الاجتماع الأسري الدكتور فتحي طعمه، أن مثل هذه الشخصية لها انعكاسات كبيرة على الأسرة، لافتا إلى أن أسلوب التربية القائم من البداية على تعزيز سلوك معين عند الأبناء يظهر معهم عند الكبر ويؤثر في حياتهم.

وينوه، بدوره، إلى أن على الآباء إذا لاحظوا أي سلوك أو تطرف في الآراء على أبنائهم في سن قابلة لتعديل السلوك أن ينتبهوا لذلك، حتى لا تنعكس هذه السلوكيات عليهم بالإطار الاجتماعي، فيصبحوا مرفوضين من قبل الوسط الاجتماعي وغير محبوبين أسريا.

ويشير طعمه إلى أن هؤلاء الأشخاص لا ينجحون في حياتهم الزوجية، خصوصا وأنهم يريدون فرض رأيهم على الآخرين؛ إذ قد يلجأ الطرف الآخر الى الصبر والتأقلم مع هذه الشخصية في حين يلجأ آخرون إلى الطلاق.

الشخصية التي لا تقبل الحوار وتعتد برأيها، وفق طعامنة، عادة ما تفشل في علاقاتها الأسرية وتكون مرفوضة من قبل الوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه.

بدورها، تلفت خبيرة مهارات التواصل زين غنام، إلى أن التواصل مع هذا النوع من الشخصيات يتطلب نوعا من الصبر والتحمل، خصوصا وأن الشخص المقابل يكون هدفه الرفض وحب الظهور وليس النقاش لمجرد النقاش.

وتضيف “على المتلقي أن يسمع جيدا ويناقش الشخص المعارض برأيه وعدم إطلاق الأحكام لأنه سينفعل كثيرا وبالتالي يدخل معه في جدال وكراهية”.

“لابد من أن يكون المحاور موضوعيا”، وأن يحاور الشخص برأيه وإعطائه مساحة كافية لنقاش وجهة نظرة ومحاولة إيجاد نقطة لتلاقي وجهات النظر بدلا من الدخول في جدال عميق لا فائدة منه.

وتردف غنام” يجب السماح للشخص أن يعبر عن وجهة نظره وأن يدعمها ويدافع عن رأيه، وتمكينه من الاسترسال بالحديث الى أن يصل إلى نقطة لا يمكن فيها الدفاع عن نفسه، وبالتالي يصمت وحده بدون أن يطلب منه ذلك”.

مقالات ذات صله