أساطير ولكن لا نعرفهم” فلاسفة العرب في العصر الحديث

بغداد_ متابعة

يذكر مالك بن نبي في أحد كتبه ابن خلدون وأفكاره الحضارية التي كان المفترض أن المسلمين يستدركون بها حركة حضارتهم، ليتجنبوا حركة الانحدار التي دخلتها الحضارة الإسلامية منذ عصر “ما بعد الموحدين”، ليطوي التاريخ والنسيان والجهل مؤلفات ابن خلدون ومن بعده مؤلفات مالك بن نبي ومن تبعه من فلاسفة العرب من العصر الحديث.

مالك بن نبي

يلقبونه بالمفكر، الداعية، الشيخ، الواعظ الديني، وأيضًا يكون الفيلسوف من ضمن الألقاب كذلك، إلا أن كثرة الألقاب لا تدل على مدى معرفة العرب به وتقديرهم له، فهي لا تدل على شيء إلا على كون مالك بن نبي فيلسوفًا ومفكرًا مجهولاً في قومه، وليس على مستوى العرب بشكل عام فحسب، بل بين من عاش ومات وسطهم، بين أهله في الجزائر.

ولد مالك بن نبي عام 1905 في مدينة قسنطينة شرق الجزائر، تشكل فكره في البداية من قراءاته متسعة الأفق باللغة العربية واللغة الفرنسية، تأثرت فلسفته بالفيلسوف الفرنسي ديكارت، إلا أنه كان له طابعًا روحانيًا فلسفيًا خاصًا به وحده في كتاباته.

ارتكزت فلسفة مالك بن نبي على أسلمة الحداثة وليس تحديث الإسلام، ذلك لوصفه المدنية الحديثة بتعبير اتفق فيه مع “سيد قطب” وهو “الخواء الروحي للمدنية الغربية”، حيث اتفق معه أيضًا على أن الدين جزء لا يتجزأ من مشروع الإنسان، حيث كان دومًا يستعمل عبارة “التجديد بالإسلام، لا تجديد الإسلام”.

المهندس الذي حرمته السلطات الفرنسية الاستعمارية من الحصول على شهادته ليستطيع العمل كمهندس إما في فرنسا أو في بلده المحتل الجزائر، وعلى الرغم من أن هذا جعله يعيش الكثير من المحن في العمل بمهن بسيطة لا تحتاج كم تلك المعرفة التي يمتلكها بن نبي، فإن ذلك جعله يهتم بمشاكل المجتمع الإسلامي ليخرج لنا بأهم ما كتبه بخصوص ذلك.

طه عبد الرحمن

“أيهما أخصّ بالإنسان، العقلانية أو الأخلاقية؟ ما أشد غفلة الإنسان الحديث كأنه على ظاهر تقدمه العلمي، إنسان جهول! ألا ترى أنه يقدم قليل النفع على كثيره، إن لم يقدم صريح الضرر على صريح النفع كما يفعل الجهلة من الخلق، وهل في الضرر أسوأ من أن يدعو إلى حقوق وحظوظ تُخرجه من رتبة الإنسانية، وتنزل به إلى درك البهيمية، محتجًا بأنه يتبع في ذلك طريق العقلانية الواضح”.

تلك كانت فقرة من فقرات مؤلفات المفكر والفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، من كتابه “سؤال الأخلاق”، حيث تشرح لنا القليل عن الفلسفة التي يتبعها “طه عبد الرحمن” في مؤلفاته، حيث تتميز فلسفته بالتحليل المنطقي والارتكاز قليلًا إلى المذهب الصوفي بطريقة جعلت فلسفته يغلب عليها “التداول الأخلاقي” وفلسفة اللغة.

اهتم طه عبد الرحمن بنشر المعارف الفلسفية بين الناس، ذلك لأنه لم يؤمن بالصورة النمطية السائدة بين العامة بأن الفلسفة خاصة بفئة من الناس، وذلك لربط العوام للفلسفة بالنظر المجرد، وفصل الفلسفة عن العمل الحي، وهو ما حاول طه عبد الرحمن إثبات عكسه عندما تعمق في الدراسات العقلية في المجال الفلسفي.

مارس طه عبد الرحمن عملية تنظير وتأسيس فكري ونظري لليقظة الدينية من جهة، ومن جهة أخرى سعى لتأسيس الفلسفة الإسلامية غير منفصل عن التطبيق والواقع من خلال بنائه لفلسفة أخلاقية في مشروعه وهي:

فكان كتابه “روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية” يشن فيه حملة واسعة على دعاة الحداثة والتقليد، فبالنسبة له الحداثة والتقليد شيئان لا يجتمعان.

الجابري.. المثقف الذي نقل الفلسفة إلى قلب المعترك السياسي

ساهم الجابري في تنوير الشباب المغربي بعلوم الفلسفة عن طريق طرحه كتب “من دروس الفلسفة والفكر الإسلامي”

الجابري هو الفيسلسوف المغربي، والمناضل السياسي الملتزم والمتسامح،  فكان المفكر المنفتح على التيارات المختلفة والفلسفات المغايرة، حيث كرس حياته للإنسان، في رفع الظلم عنه، ونشر حقوق الإنسانية، ونقل المجتمع نقلة نوعية من مجتمع لا يتم فيه تداول السلطات ولا يعرف حقوق الإنسان، حيث نجده وثق تلك الأفكار في كتابه “حفريات في الذاكرة”.

ساهم الجابري في تنوير الشباب المغربي بعلوم الفلسفة عن طريق طرحه كتب “من دروس الفلسفة والفكر الإسلامي” أو كتاب “رؤية تقدمية في مشكلاتنا الفكرية والتربوية”، حيث تأثر بمؤلفاته كثير من الأجيال في المغرب في أثناء إتمامهم المرحلة التعليمية.

استطاع محمد عابد الجابري عبر سلسلة نقد العقل العربي القيام بتحليل للعقل العربي

استطاع محمد عابد الجابري عبر سلسلة نقد العقل العربي القيام بتحليل للعقل العربي عبر دراسة المكونات والبنية الثقافية واللغوية التي بدأت من عصر التدوين، ثم انتقل إلى دراسة العقل السياسي ثم الأخلاقي وهو من ابتكر مصطلح “العقل المستقيل”، وهو ذلك العقل الذي يبتعد عن النقاش في القضايا الحضارية الكبرىK وفي نهاية تلك السلسلة يصل إلى نتيجة مفادها أن العقل العربي بحاجة اليوم إلى إعادة الابتكار.

كان للجابري دور كبير في المغرب في الصحافة العربية، فكان المنشط الأساسي لها بكتاباته في جريدة “المحرر” (أول جريدة باللغة العربية في المغرب في السبعينيات)، حيث بدأت تدخل مفاهيم جديدة على الصحافة، لتكون الجريدة بفضل عمله صحيفة مؤسِسة لتكون صحيفة المعارضة في المغرب.

توفي الجابري عام 2010، بعد أن صدر له 30 مؤلفا في الفكر المعاصر، كان “نقد العقل العربي” من أبرزها، كما نال العديد من التكريمات خلال مسيرته، منها تكريم اليونسكو له لكونه أحد أكبر المتخصصين في بناء الفكر العربي المعاصر وقامت بمنح ميدالية ابن سينا.

عبد الوهاب المسيري في الرحلة الفكرية

كان برجوازي الطبقة، مصري الطابع، فكانت بالنسبة إليه منظورًا ينظر منه للمجتمع

ولد المسيري عام 1938، كان لنشأته أثرًا كبير في تشكيل بذوره، حيث يقول عن نفسه بأنه ناشئ من البرجوازية الريفية، أي المجتمع المحافظ المتمسك بالأصول والقيم لأطول فترة ممكنة، وكذلك الرأسمالي المقدر للثروة، كان برجوازي الطبقة، مصري الطابع، فكانت بالنسبة إليه منظورًا ينظر منه للمجتمع.

كان من ضمن ما شكل ذلك المنظور، سياسة الروح الوطنية للتحرر من الاحتلال الإنجليزي في مصر في ذلك الوقت، ليبدأ بعدها المسيري في البحث عن الحق والمعرفة، فكان خلال ذلك متمردًا، لا يخضع بسهولة لكل ما هو سائد ما دامت لا تقدم له إجابات شافية، ليمر في رحلة أسماها رحلة الشك إلى اليقين أو الرحلة من الإلحاد إلى الإيمان.

كان انضمامه للحزب الشيوعي جزءًا من تجربته التي أصقلته، اكتسب عن طريقها خبرة معرفية في الوقت الذي هيمنت فيه الماركسية من جهة على الفضاء المصري في ذلك الوقت، ومن جهة أخرى هيمنة الإسلام الحركي ممثلًا في جماعة الإخوان المسلمين.

آمن المسيري بأن الشيء يُفسر بكليته وليس بجزئيته، ولا يمكن تفسير أي شيء من خلال بُعدٍ واحدٍ، ففي فترة الانفتاح الاقتصادي في مصر، رأى في المنهج الإسلامي خلاصًا للإنسان من هموم الحياة المادية، ليجد في النهاية مكانًا في حزب الوسط.

أغنى المسيري المكتبة العربية بالكثير من المؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية، تنوعت بين الموسوعات والدراسات والمقالات، من أبرزها “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد” التي تصنف ضمن أهم الموسوعات العربية في القرن العشرين.

ومن كتبه البارزة أيضًا “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، “الفردوس الأرضي”، “الحداثة وما بعد الحداثة”، “الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان”، كما ألف عدة قصص وديوان شعر للأطفال، وترجمت بعض أعماله إلى عدة لغات كالفرنسية والفارسية والبرتغالية والتركية.

لا تتوقف القائمة عند هؤلاء فحسب، بل تطول وتتنوع مع كثير من الفلاسفة العرب الذين ساهموا بشكل كبير في تشكيل الفكر العربي المعاصر وتبصير الأجيال الحديثة بالعلوم الفلسفية وإنشاء مناهج خاصة بهم غير مُقلدة أو تمت محاكاتها للنماذج الغربية، وعلى الرغم من جهودهم في ذلك، ومرور الزمن على رحيلهم، فرحيل الجسد لا يعني أبدًا فناء الروح، فالأهم العودة لتلك المناهج لنتوقف عن تجاهلها قبل فوات الآوان.

مقالات ذات صله