أزمة النقد السينمائي العربي… بين غياب الأرشفة وفشل الواقعية

بغداد_ متابعة

هل تخدعنا التقنية؟ وما هي مهمة الناقد والنقد السينمائي العربي حيال هذه الإشكالات التي باتت جزءا من واقع الفن السابع؟

تغرق السينما العربية في واقعية قاتلة، واقعية كل همهما أن تتماهى كليا مع الواقع العربي المحبط، في بيئة تنغرس فيها كل الأوجاع والأمراض والمتاهات وفي أمكنة تعكس الإحباط، بدون أن تتغلب هذه السينما على أوجاع الواقع، وتنقل هذه الواقع بجماليات كبيرة، ما جعل المشاهد العربي يفر وينأى عن المشاهد الدائمة الحزن، وبدون قدرة المخرجين على تجاوز هذه الواقعية التي كرسها النقد السينمائي العربي كمدرسة تقترب من هموم المواطن العربي، ولكن ترخي بظلالها في تكريس مزيد من اللا أمل والخيبة وتصور الأمكنة بسوداوية منفرة، تزيد من توتر الإنسان العربي وقلقه.

فهل يدرك المخرج العربي ما يقدمه وما يساهم فيه بإضفائه مزيدا من الكآبات على واقع متعفن، لا يرسخ قيم الجمال بقدر ما يضيف جرعات من قهر اجتماعي وتسلط لصور البؤس والابتعاد عن إمتاع عين المشاهد العربي، الذي أضحى يبحث عن سينما مغايرة لا تذكره بما يعيشه يوميا، بدون أن يغلب لغة الإبداع والحب على لغة العنف والواقع المهين، والأمكنة التي تحجر على مواطنيها وتأسرهم برهاب الواقعية والواقعية الجديدة، وخدع الارتهان للواقع كما هو. في السينما وفي لغة الإبداع الغلبة للغة الجماليات السينمائية، وبمزج الأجناس السينمائية لتقديم تحف سينمائية رائعة، وليس التسابق على المنح السينمائية وتقديم سيناريوهات، فيها الكثير من السطحية والسذاجة.

يُختزل كثيرا النقد السينمائي العربي في نقد وصفي وتعبيري، إلا قلة القلة بدون الغوص بعيدا. وتكاد صحف بعينها تحصره في المتابعات الإخبارية، بدون وجود نخبة متخصصة من النقاد السينمائيين العرب في سينما شرق آسيا ..الصين/فيتنام/ كوريا الجنوبية/اليابان، وما يكاد يصل إلى الشاشات العربية من عينة هذه الأفلام قليل جدا، ويصل بمحض المصادفة، كما هو الشأن بالنسبة للسينما الروسية وسينما أوروبا الشرقية، مع انخراط الجميع في السينما الأمريكية والإنكليزية والفرنسية والهندية. غياب هذه المتابعات وغياب نقاد عرب متخصصون في سينما بعينها، أو في أجناس سينمائية خاصة ــ على سبيل المثال عدم وجود ناقد سينمائي عربي واحد متخصص في سينما الزومبي أو سينما الأنثروبولوجي ــ هذا ينضاف إلى الخلط الكبير الذي يقدمه الإعلام العربي في متابعاته الإخبارية والإشهارية المجانية، لعينات من الأفلام سيئاتها أكثر من حسناتها. هذا يجعل النقد السينمائي العربي يكاد يكون منحصرا، وتنضاف إليه معضلة صحف لا تقدم سوى المتابعات السينمائية، بدون الاقتراب من عوالم النقد السينمائي أو انغلاقه في هموم السينما الوطنية العربية، وتتبع عورات المشاهير والنجوم، كل هذا ينعكس على بنية النقد العربي السينمائي الذي يبدو ضعيفا وغير متزن وغير قادر على المتابعة والمسايرة النقدية للسينما الدولية، بل يصعب على نقاد عرب عدم القدرة للنفاذ إلى عمق المنتوج السينمائي والترويج لأفلام تقدمها مجلات بعينها، ينضاف لها عدم إلمام أغلب النقاد ببعض تقنيات التصوير والمونتاج المتطورة، والانحصار في النقد الوصفي وإعادة إنتاج قصص محكية تنسجم مع الثقافة الشفهية المستشرية في البلدان العربية.

كما تزداد معاناة النقد العربي في غياب أرشيف للنقد، ومؤسسة متخصصة في جمع المقالات النقدية وتبويبها، فقط هناك مواقع على قلتها وبمجهودات شخصية ونتف هنا وهناك في غياب مؤسسة عربية تقوم بهذا الدور من خلالها تساعد على الاطلاع على تجارب الآخرين النقدية والتجارب العربية الجميلة، بل الأدهى هناك أفلام عربية تصعب أرشفتها. كل هذه المعضلات تزيد من عدم تكوين مدرسة عربية نقدية سينمائية بمواصفات علمية كتخصص في النقد السينمائي، ويبقى كل ناقد سينمائي عربي يعتمد على إمكانياته الذاتية ومدى حبه للسينما وشغفه بالعمل النقدي.

مقالات ذات صله