“آسيا جبار” .. الكتابة لديها مرآة تتعرف فيها المرأة على ذاتها

بغداد_ متابعة

هي أكاديمية، وكاتبة، وروائية، ومخرجة جزائرية.. اسمها الحقيقي “فاطمة الزهراء إيمالايان”، ولدت عام 1936 في “شرشال” غرب الجزائر العاصمة.. درست في المدرسة القرآنية في المدينة ثم التحقت بالمدرسة الإبتدائية الفرنسية في مدينة “موزاية” ثم “البليدة” ثم العاصمة الجزائر.. كان والدها معلماً وشجعها على استكمال دراستها في فرنسا.. وقد شاركت في إضرابات الطلبة الجزائريين المساندين للثورة الجزائرية ولاستقلال الجزائر هناك.

في 1958 تزوجت الكاتب “أحمد ولد رويس”، الذي ألف معها رواية (أحمر لون الفجر)، وانتقلت للعيش في سويسرا، ثم عملت مراسلة صحافية في تونس، وانتهى زواجها بالطلاق عام 1975.. لم تزر الجزائر سوى مرة واحدة، خلال النزاع الدامي الذي شهدته التسعينيات ، لتشييع جنازة والدها. وتزوجت “آسيا جبار” من جديد من الشاعر والكاتب الجزائري “عبد المالك علولة”.

مارست الكتابة الأدبية والمسرحية والإخراج السينمائي.. نشرت أول أعمالها الروائية باسم (العطش) عام 1957، وهي لم تتم العشرين من العمر، ثم رواية (نافذة الصبر) 1958.. وبعد استقلال الجزائر كانت “آسيا جبار” تقوم بتدريس مادة التاريخ في جامعة الجزائر، وتعمل في جريدة “المجاهد”، بالإضافة إلى اهتمامها بالمسرح والسينما.

خلال عام 1980 هاجرت إلى فرنسا، وبدأت بكتابة رباعيتها الروائية المعروفة، واختارت شخصيات رواياتها من العالم النسائي فمزجت بين الذاكرة والتاريخ.. من رواية (نساء الجزائر) إلى رواية (ظل السلطانة) ثم (الحب والفنتازيا) و(بعيداً عن المدينة). في أوج الحرب الأهلية التي هزت الجزائر كتبت روايات أخرى منها: (الجزائر البيضاء) و(وهران.. لغة ميتة). ومن أجواء الحبّ المتخيّل، كتبت رواية (ليالي ستراسبورغ).

مشروعها الروائي الخاص قائم على “إعادة كتابة القرن العشرين كتابة مؤنثة”.. تُعتبر “آسيا جبار” أشهر روائيات الجزائر ومن أشهر الروائيات في شمال إفريقيا، تم انتخابها في 2005 عضواً في “أكاديمية اللغة الفرنسية”، وهي أعلى مؤسسة فرنسية تختص بتراث اللغة الفرنسية، حيث تعتبر أول شخصية من بلاد المغرب العربي والعالم العربي تصل إلى هذا المنصب.. وخلال أكثر من ستين عاماً، كتبت “آسيا جبار” أكثر من عشرين رواية ومسرحية وديوان شعر؛ ترجمت إلى 23 لغة.

كانت “آسيا جبار” أول امرأة جزائرية تنتسب إلى “دار المعلمين” في باريس عام 1955، وأول أستاذة جامعية في الجزائر ما بعد الاستقلال في قسم التاريخ والآداب، وأول كاتبة عربية تفوز عام 2002 بجائزة “السلام” التي تمنحها “جمعية الناشرين وأصحاب المكتبات” الألمانية، وقبلها الكثير من الجوائز الدولية في إيطاليا وأميركا وبلجيكا، وفي 2005 انتخبت بين أعضاء الأكاديمية الفرنسية لتصبح أول عربية، وخامس امرأة، تدخل الأكاديمية.

وعبر حوار صحفي لها ، تقول “آسيا جبار” عن إشكالية اللغة: “ولدت في الجزائر في وقت كانت مستعمرة فرنسية. والدي كان معلم لغة فرنسية. في الحقيقة، كان جزائرياً يتحدث بالعربية في المنزل، وفي الوقت نفسه معلماً يُدرس الفرنسية للطلبة. في البداية، كنا نعيش في قرية صغيرة نائية وسط الجبال. هناك كان والدي يعلم الفرنسية. ولقد تعلمنا الحديث والكتابة بها في المدرسة. ولكن في المنزل، عندما تتحدث أمي بالعربية، كان جميعنا يتحدث بها. أما بخصوص العربية أدبياً، فهي لغة القرآن. وفي ذلك الوقت، كان من النادر أن تجد أحد في بلدتنا يمكنه الكتابة بها. بعد ذلك، عندما بدأت أسافر لبلدان أخرى، وجدت أن الوضع عندنا مشابه لما عليه الحال عند جيراننا في تونس والمغرب. باستثناء أنهما كانتا أكثر استقلالية عن فرنسا من الجزائر التي كانت تحت سيطرة حازمة كمستعمرة فرنسية حقيقية. فدخولك المدارس كان يعني أنه لا مفر من تعلم الفرنسية”.

وتضيف: “بعد الاستقلال بدئوا في تعليم اللغة العربية بالمدارس. ولكنهم استمروا أيضاً في تعليم الفرنسية.. لماذا ؟.. لأنهم وجدوا أن العربية يمكن التحدث بها بين الناس في الشارع أو على المقاهي. ومن ناحية أخرى، فهي تمكننا من التواصل مع باقي الدول العربية. ولكنهم في الوقت نفسه أدركوا أنه تعلم الفرنسية يعني القدرة على التواصل مع العالم، العربية كما هو الحال مع الفرنسية، لديها فروقها الدقيقة. فاللغة العربية ثرية للغاية. ويمكنك اللعب بتعبيراتها بنفس الدرجة التي يمكنك فعل الأمر ذاته مع الفرنسية. كلاهما لديه طبيعته الخاصة. عند الحديث إلى مجموعة من العرب، يمكنني الشعور بأن العربية معاصرة جداً، وليست ميتة كما يدعي البعض. الأمر لا يتعلق فقط بالفروقات الدقيقة، ولكن له علاقة باستخدام اللغة على عدة مستويات مجتمعية”.

وعن تفضيلها للكتابة بالعربية أم الفرنسية تبين “آسيا”: “الفرنسية بالتأكيد.. فلغتي العربية بدائية للغاية. في الوقت الذي ولدت فيه، كان النخبة من المسلمين الجزائريين يرسلون أولادهم للمدارس لتعلم الفرنسي كي يتمكنوا من أن يصبحوا أساتذة في الجامعة أو أطباء. الآن، بدئوا في تعليم اللغة العربية الفصحى، لذا، فالفجوة بين استخدام اللغتين في المجتمع الجزائري آخذة في التقلص”.

ومن خلال دراسة بعنوان: (الهوية والمرأة في أدب آسيا جبار.. تفكيك النسق وكسر المحظور)، للباحث الجزائري “بولفعة خليفة”، يقول فيها: “تعمل آسيا جبار باستمرار على إثارة موضوعات مهمة في أدبها في ما يخص الكتابة والهوية. ظهرت في كتابتها في ثنائيات عدة، مثل لغة الكتابة، اللغة الأجنبية، واللغة الشفاهية، الجسد والحجاب. ركزت على أهمية العلاقة بين الكتابة والمرأة، الصوت والجسد، صوت الأجداد والوصاية الأبوية، وهو ما جعلها تعتبر اللغة الشفوية رمزاً للتعبير عن هويتها، وقلعة تحتمي بها ضد المجتمع الذكوري. كما حاولت في كتابتها، بصفة خاصة على إعادة النظر في صورة المرأة كما أوردها المؤرخون المسلمون، متهمة إياهم بعدم الموضوعية في هذه القضية”.

ويواصل: “جعلت آسيا جبار من إشكاليات اللغة والمرأة ولغة الجسد تيمات أساسية للتعبير عن الهوية في أدبهـا، فتشكلت لديها ثنائيات عدة تؤسس منظومتها الإبداعية والسردية: (اللغة /الهوية، المرأة /الكتابة، اللغة /الجسد، الكتابة /الحريـة، لغة الأم /اللغة الأجنبية، الكتابة /الشفاهية). نددت من خلالها بالسلطة الأبوية والمجتمع الذكوري المهيمن، الخانق لصوت المرأة وروحها، حسب توصيفها وعبر هذا التوجه الجريء، تمكنت من التخلص من النسق التقليدي المعتمد على النقل الفج للواقع، والتحرر من الأعراف التقليدية الناتجة عن عمليتي النقل والتثاقف، لتصل إلى مرحلة مـن التأسـيس والتأصيل، معتمدة على إعادة النظر في مقولات التاريخ الجزائري والإسلامي حول المرأة وصورتها ودورها في صناعة التاريخ. ثم جاءت كتابتها باللغة الأجنبية عاملاً مساعداً للانفتاح على الحداثة الغربية في أصولها، وهو ما جعلها تخلق فضاء للكتابة والبوح وكسر المحظور وتفكيك الأنساق، وملأ الفراغات ومساحات الصمت المتروكة. وذلك لأن الكتابة بالنسبة للمرأة الجزائرية، حسب رؤيتها، تصطدم بعدة حواجز اجتماعية وثقافية ودينية داخل مجتمع ذكوري متحكم، لا يمكن التعبير عنها إلا بهذه الأداة. وهذا ما دفعها إلى ترويض هذه اللغة وصبغها بصبغة أقرب للمحلية منهـا للباريسية، فعبرت بها عن قضايا إنسانية وحضارية، بعد أن ظل النقد الفرنسي يعتبر الكتابة الفرانكفونيـة فـي الـدول المستعمرة مجرد كتابة وثائقية محصورة في مجال الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية”.

مقالات ذات صله